حين يسقط الكلام من فوق المنصّة

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

يبدو أننا في هذا البلد لم نعد بحاجة إلى دروس في الأخلاق أو دورات في التواصل السياسي. فالقبة التي يفترض أن تُصنع فيها القوانين، صارت هي نفسها مصنعا للعبارات السوقية. آخر “اختراعاتها” جملة “الموسّخ لي ولدك”. عبارة لم يصدق المغاربة أنهم سمعوها داخل مؤسسة دستورية، فإذا بها تنتشر كما تنتشر النيران في هشيم الثقة المتهالكة أصلاً.
لم تُدهش الناس لأن فيها شتيمة، فالناس يسمعون الشتائم كل يوم. دهشتهم جاءت من مكان إطلاقها: كرسي وزير العدل، رجل القانون الأول، حارس اللغة القانونية، و”قدوة” النقاش العمومي. رجل يُفترض أن يرفع منسوب الحوار، فإذا به يرفعه… لكن إلى الأسفل.
وحين يسقط الخطاب السياسي إلى هذا الحد، فلا تسأل لماذا ينهار الإيمان بالمؤسسات. فكيف يثق المواطن في سلطة لا تستطيع حتى أن تضبط لسانها، أو أن تفرّق بين النقاش السياسي وحوار المقاهي؟
ثم يأتي البعض ليطالب الشعب بالصبر والصمود. حسناً، الصمود مهم، نعم… لكن في مواجهة ماذا؟ مواجهة الأسعار؟ مواجهة اللامبالاة؟ أم مواجهة اللغة التي تهيننا صباح مساء داخل مؤسساتنا؟
يبدو أن المواطن مطالب بالصمود ضد “العزيمة” الجديدة لبعض المسؤولين: عزيمة في الانحدار، وسرعة في الجواب السوقي، وجرأة في تحويل البرلمان إلى ساحة ملاكمة لفظية.
ومع ذلك، فإن الكلمة التي سقطت من الوزير، كانت مفيدة من حيث لا يدري. فقد كشفت لنا مستوى التفكير الذي يحكم بعض المواقع الحساسة، وأكّدت لنا أنّ مشكلتنا ليست فقط في السياسات، بل أيضاً في اللغة التي تُدار بها تلك السياسات.
لغة تكشف العقل، والعقل يكشف مستوى الإحساس بمسؤولية الموقع… أو غيابه.
الطريف في الأمر أن الشعب—الذي تعب من التبريرات الرسمية—لم يعد يناقش الواقعة باعتبارها حدثاً سياسياً، بل باعتبارها “نكتة” إضافية في مسلسل الهزل السياسي. نضحك كي لا نبكي، ونعلّق كي لا ننكسر.
لكن الحقيقة أبعد من الضحك. فحين يصبح الانحدار هو “اللغة الرسمية”، يصبح الصمت جريمة. يصبح من الواجب التذكير بأن الكرامة ليست تفصيلاً، وأن احترام المواطنين ليس اختياراً، وأن المؤسسات لا تُبنى بالكراسي الفخمة، بل بالكلمات الرفيعة.
نعم… الشمس تشرق كل يوم، لكنّها تشرق علينا نحن، لا على من يعتقدون أن موقع المسؤولية يعطيهم رخصة لامتهان الناس.
ونعم… الصمود ضروري، لكن ليس الصمود على الهوان. الصمود الحقيقي هو صمود الوعي، صمود الأخلاق، صمود القدرة على أن نقول:
كفى.
فمن يصمد… ينتصر.
لا لأن السياسيين منحوه هذا الحق، بل لأنه انتصر أولاً على الإحباط الذي يحاول الخطاب الرديء أن يغرسه فيه كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *