“حين يُعاد تدوير المغضوب عليهم ؟”

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في السياسة المغربية، يبدو أن الذاكرة قصيرة ، أو يتم تقصيرها عمدًا. فبعض الأسماء، التي كان يُفترض أن تُطوى صفحاتها احترامًا لقرارات عليا واضحة وصريحة، تعود إلينا من النافذة بعد أن أُغلقت في وجهها الأبواب.
كما هو حال قصة “الشعبة البرلمانية المغربية” التي مثلت البرلمان المغربي في اجتماع “ميدراند” وليست فقط حكاية فشل ديبلوماسي عابر، بل هي عرض جانبي لمعضلة أعمق: كيف يُعاد تقديم نفس الوجوه، رغم وجود إشارات رسمية قوية بعدم الرضا عنها؟ بموجب بلاغ الديوان الملكي الصادر في 24 أكتوبر 2017، والذي لم يكن مجرد خبر عابر في نشرة المساء، بل كان رسالة سياسية ثقيلة المعنى تعني أن: “المسؤولية ليست امتيازًا دائمًا، والثقة ليست شيكًا على بياض”.
لكن، على ما يبدو، هناك عندنا من يقرأ البلاغات ، ويقرر التعامل معها كأنها “اقتراحات” وليست “قرارًات ملزمة”.
فكيف نفسر أن واحد من الأسماء التي وُضعت ضمن لائحة “غير المرضي عنهم” تعود لتتصدر المشهد؟ بل وتُمنح شرف تمثيل المغرب في محافل قارية حساسة؟
هل نحن أمام ذاكرة سياسية مثقوبة؟ أم أمام ثقافة حزبية تتقن فن “التجاهل الانتقائي”؟
الأحزاب، التي يُفترض أن تكون وسيطًا مسؤولًا بين الدولة والمجتمع، تبدو هنا كأنها تعمل بمنطق مختلف: ليس منطق الكفاءة، ولا حتى منطق الانسجام مع التوجيهات العليا، بل منطق إعادة التدوير ، مهما كانت الكلفة.
والنتيجة؟ ذاك المشهد السريالي:شخص سبق أن وُجهت إليه انتقادات رسمية حادة، …..يجد نفسه مرشحًا لقيادة مؤسسة إفريقية مرموقة!
هنا، لا يصبح السؤال: هل خسرنا المعركة الديبلوماسية؟ بل: هل كنا أصلًا مؤهلين لخوضها بهذا الاختيار؟
لأن المعارك الكبرى لا تُخاض فقط بالشعارات، بل بالمصداقية أيضًا ، والمصداقية تبدأ من الداخل و من احترام القرارات، لا الالتفاف عليها.
ثم يأتي الجزء الأكثر إثارة للسخرية: عندما تقع الهزيمة، لا يُطرح سؤال الاختيارات، ولا تُفتح ملفات المسؤولية، بل يُستدعى التفسير الجاهز:”المؤامرة!”وكأسهل طريقة للهروب من الواقع، واتهام الآخرين بصناعته.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: حين لا نحترم قواعدنا نحن، لا يمكن أن نطالب الآخرين باحترامنا.
وفي هذا السياق، يصبح ما يُسمى بـ”العياشة الراديكالية” أكثر من مجرد نكتة سياسية؛ إنه تعبير عن مفارقة عجيبة: مواطنون لا يطالبون إلا بشيء واحد ، تطبيق تعليمات جللاة ملكهم.
فحين يتم التشديد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، ثم نرى عكس ذلك في الواقع، فالمشكلة لم تعد في التشخيص ، بل في التنفيذ.
أما المواطن، الذي يتابع هذا المشهد، فيجد نفسه أمام سؤال بسيط لكنه موجع:
إذا كانت قرارات بهذا الوضوح لا تُحترم، فما الذي يُنتظر من باقي القواعد؟
وهكذا، لا تصبح أزمة “ميدراند” مجرد خسارة في انتخابات قارية،
بل مرآة تعكس خللًا أعمق: خلل في ترتيب الأولويات،
وفي احترام المؤسسات، وفي فهم معنى المسؤولية.
الخلاصة؟
ليست المشكلة في أن نخسر معركة، بل في أن ندخلها بأدوات لا تحترم حتى قواعدنا نحن.
وحين يُعاد تدوير “المغضوب عليهم”، لا يجب أن نتفاجأ إذا تم تدوير نفس الهزائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *