حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
منذ أيام، وصلتني رسالة من أحد تلامذتي القدامى، الأستاذ محمد الكوهن، أعادني بها إلى زمن جميل، إلى إعدادية صلاح الدين بفاس، وإلى سنوات 1986 أو 1987، حين كنت أدرّس اللغة العربية لتلاميذ كانوا يحملون أحلامهم الصغيرة إلى أقسام الدراسة، دون أن يخطر ببالي أن واحدًا منهم سيعود بعد قرابة أربعين عامًا ليطرق باب ذاكرتي بهذه الصورة المؤثرة.
لقد صادف محمد إحدى مقالاتي المنشورة على موقع فيسبوك، فتوقف عند الصورة، ثم عند الاسم، وعاد يقلب صفحات ذاكرته حتى تيقن أن صاحب المقال هو معلمه بالأمس. ولم يكتفِ بالاسترجاع الصامت، بل بحث عن صفحتي وكتب إلي رسالة يفيض كل سطر فيها احترامًا وامتنانًا ووفاءً.
وأعترف أن أكثر ما أثر في نفسي لم يكن ثناؤه عليّ، فكل إنسان يفرح بكلمة طيبة، وإنما ما لامسته في رسالته من حسن تربية، ونبل أخلاق، واعتراف جميل بفضل معلم مضى على لقائه به ما يقارب أربعة عقود. إنها تربية حقيقية لا تُقاس بالشهادات، بل تُقاس بقدرة الإنسان على حفظ الجميل، ورد الفضل إلى أهله، وعدم التنكر لمن كان لهم أثر في تكوينه.
لقد علمتني هذه الرسالة أن المعلم، مهما تقاعد أو ابتعد عن القسم، فإن رسالته لا تتقاعد. قد ينسى أسماء كثير من تلامذته، وقد تذوب تفاصيل السنوات في زحام العمر، لكن أثر الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والاحترام المتبادل، يبقى حيًا في ذاكرة بعض التلاميذ، وربما كان أبقى من كثير من الدروس والقواعد التي حفظوها.
وفي المقابل، فإن أجمل هدية يمكن أن يتلقاها معلم في نهاية مساره ليست وسامًا ولا شهادة تقدير، وإنما أن يسمع من أحد تلامذته بعد عشرات السنين: “شكراً يا أستاذ… لقد تركت في نفسي أثرًا طيبًا.” عندها يشعر أن سنوات العطاء لم تذهب سدى، وأن البذور التي زرعها في صمت قد أينعت في نفوس أصحابها.
تحية تقدير وامتنان لتلميذي العزيز محمد الكوهن، الذي لم يكتب إليّ رسالة فحسب، بل منحني درسًا جديدًا في الوفاء، وأكد لي أن التربية الصالحة لا يطويها الزمن، وأن الأخلاق الجميلة هي الاستثمار الوحيد الذي تزداد قيمته كلما تقدم العمر.
رحم الله كل معلم غرس علمًا أو خلقًا، وبارك في كل تلميذ لا يزال يحفظ لمعلميه مكانتهم، لأن الأمم لا تُبنى بالمعرفة وحدها، بل تُبنى أيضًا بالوفاء.