بعد سنوات طويلة من الصراع، الدماء، الدمار، والحصار، لا تزال غزة تقف في مفترق طرق مصيري، تتقاذفها الشعارات الثورية من جهة، والمصالح الإقليمية والدولية من جهة أخرى، بينما يدفع الإنسان الغزّي، البسيط والمقهور، ثمن هذا كله: تشريدًا، جوعًا، يأسًا، وموتًا يوميًا تحت الأنقاض.
لطالما رفعت حماس شعار “المقاومة” كخيار وحيد في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ولكن السؤال اليوم، بعد هذه السنوات الطوال، هو: هل لا تزال المقاومة المسلحة تحقق مكاسب حقيقية على الأرض؟ أم أنها أصبحت ورقة سياسية في يد قوى خارجية، تُستعمل في صراعات إقليمية لا علاقة لها لا بالتحرير، ولا بفلسطين؟
لا يمكن الحديث عن واقع غزة دون التوقف عند ظاهرة الأنفاق التي حفرتها حماس على مدى سنوات، وزوّدتها بالمؤن، والمياه، والاتصالات، وكل وسائل الأمان الممكنة. الأنفاق التي من المفترض أن تكون جزءًا من استراتيجية مقاومة، تحوّلت في الواقع إلى ملاجئ حصرية للقيادة، بينما تُترك النساء، والأطفال، والشيوخ فوق الأرض، عرضة للقصف والمجازر والتجويع.
أي منطق هذا؟ قيادة تتحصن في باطن الأرض، وتترك الشعب في العراء، تحت السماء المحترقة؟ كيف يُقنع هذا النموذج الشاب الغزّي أن يقاتل، أو يصمد، وهو يرى “المجاهدين” يتوارون إلى أن تهدأ العاصفة، ثم يخرجون ليكرروا الخطاب نفسه؟
المشكلة الكبرى أن أي دعوة لمراجعة جدوى المقاومة المسلحة تُقابل فورًا باتهامات التخوين، والعمالة، والجبن. ولكن العقل والمنطق يفرضان علينا طرح أسئلة مؤلمة:
• هل حماس تقاتل من أجل تحرير فلسطين فعلًا؟ أم من أجل استمرار وجودها كقوة سياسية لها ارتباطات أيديولوجية وتمويلات خارجية؟
• هل فعلاً تقود المقاومة المسلحة إلى إنهاء الاحتلال؟ أم أنها أصبحت ذريعة لإسرائيل لتكريس قبضتها على الأرض، وتمزيق النسيج الفلسطيني؟
• هل يعقل أن تتحول غزة إلى ساحة تصفية حسابات بين إيران وتركيا وقطر من جهة، وإسرائيل والغرب من جهة أخرى، بينما يصرخ الطفل الغزّي من الجوع والرعب؟
لا بد أن نكون واقعيين. موازين القوى العالمية واضحة: إسرائيل مدعومة من أميركا وأوروبا، ومن العرب بالصمت أو بالمباركة. العالم لا يرى في حماس سوى منظمة “إرهابية”، ولا يبدي أي استعداد لممارسة ضغط حقيقي على الاحتلال. أمام هذا المشهد، هل من الحكمة أن يبقى الشعب الغزّي وقودًا لحرب يعرف الجميع أنها لن تُكسب؟
ربما حان الوقت لطرح فكرة المصالحة المشروطة مع إسرائيل. فكرة بناء نموذج فلسطيني يحقق الأمن والمعيشة والاستقرار، بدل الشعارات الثورية التي لا تشبع بطونًا، ولا تبني مدارس، ولا تحمي أرواحًا.
لماذا لا نستلهم تجربة اليابان؟ اليابان التي أوقفت الحرب، وتصالحت مع عدوها، وبنت شراكة اقتصادية معه، وها هي اليوم من أعظم القوى في العالم. أما نحن، فما زلنا نعيش في أوهام الماضي، ننتظر نصرًا لا يأتي، ونتجرع الهزيمة في كل جولة.
الغزاويون يستحقون الحياة ويستحقون أن يفكروا بمستقبلهم. أن لا يكونوا مجرد رهائن في يد تنظيمات تتلقى الأوامر من عواصم بعيدة. أن يقرروا مصيرهم بعيدًا عن صراع الأجندات. أن يعيشوا في دولة تسع الجميع، فلسطينيين ويهودًا، في جو ديمقراطي، يحترم الإنسان، ويؤمن له الأمن والكرامة.
الشعب الفلسطيني، لا سيما في غزة، يستحق الحياة، الأمن، والاستقرار، لا الموت المجاني تحت شعار المقاومة. والأنفاق، مهما كانت عميقة ومحكمة، لن تصنع دولة، ولن توفر مستقبلًا. وحدها الإرادة السياسية الواعية، والمراجعة الجريئة، والقرار الشعبي الحر، قادرة على نقل القضية من دائرة الاستنزاف إلى أفق الحلول الممكنة.
حميد طولست