محمد احمد طالبي
توطئة:
تحتل ظاهرة “السعاية” موقعا ملتبسا، تتقاطع فيه الحاجة الحقيقية مع الممارسات الاحتيالية، وتتماهى فيه الهشاشة الاجتماعية مع المكر الرمزي. وقد التقطت القصائد الزجلية، كأحد التعبيرات الشعرية الشعبية ذات الارتباط الوثيق بالمعيش اليومي، هذه الظاهرة لا بوصفها معطى عابرا، بل كحالة مركبة تعري الواقع وتدينه، وتختزل في طياتها مفارقات الانتماء والكرامة والدين.
في مجموعة من القصائد التي تشكل فيما بينها ما يشبه المتن الحواري حول “السعاية”، تبرز مستويات متعددة للتحليل، تجعل من الزجل ليس فقط خطابا فنيا، بل وثيقة اجتماعية ذات بعد نقدي، وممارسة ثقافية مقاومة لطمس الوعي.
ــ السعاية كتجل للهشاشة والانفلات الاجتماعي (الجانب السوسيولوجي)
1. السعاية كعرض اجتماعي لاقتصاد الفقر :
تعكس النصوص الزجلية فهما عميقا لآليات اشتغال ظاهرة “السعاية” داخل النسيج الاجتماعي، حيث يتم تقديمها باعتبارها نموذجا مصغرا لاختلالات أوسع: الفقر، البطالة، انسداد الأفق، وتراجع قيم الإنتاج الذاتي. لكن المفارقة التي تؤسس لبنية الخطاب الزجلي هنا، تكمن في إبراز السعاية كخطة عيش لا كاستثناء ظرفي، وكـ”مهنة” لها أدواتها وطقوسها ودراميتها الخاصة.
2. سقوط الحدود بين الحاجة والتحايل :
يتسم التناول الزجلي للسعاية بجرأة تحليلية تزيل الحجاب عن الازدواجية الأخلاقية داخل المجتمع. إذ لا ترى “السعاية” فقط كفعل بئيس تمارسه الفئات المهمشة، بل كتمويه اجتماعي متقن، يعيد صياغة صور البؤس وفق منطق العرض والتسويق العاطفي. وهنا، يتحول الزجل إلى خطاب تفكيكي يعري الوجوه المستترة للاستغلال، ويستعرض آليات التدليس العاطفي عبر تقنيات تعبيرية تجمع بين السخرية والمأساة.
3. استدعاء المرجعية الأخلاقية والدينية :
تشتغل بعض القصائد على أفق أخلاقي متين، حيث تحضر البعد الديني بوصفه مرجعية تقويمية للظاهرة. ويتم استحضار هذا البعد لا بشكل وعظي مباشر، بل كأداة نقدية تفكك التناقضات بين القيم الإسلامية الأصيلة وبين التوظيف النفعي للدين في تمويه الفقر واستدرار التعاطف. من هنا، تنشأ بنية خطابية تدين التواطؤ الصامت مع هذه المظاهر، وتطالب بإعادة الاعتبار للعمل والكرامة كركيزتين للوجود الإنساني.
ــ القصائد الزجلية كوسيط فني لفضح الواقع (الجانب الفني)
1. النزوع إلى الواقعية الفاضحة :
يتسم التناول الفني للموضوع بنزعة واقعية مباشرة، تتوسل بالحكي التفصيلي لوضعيات “السعاية” دونما تزييف شعري أو رمزية زائدة. فالزجل هنا لا يعول على المجاز أو الانزياح، بل على بلاغة الصدمة والفضح، حيث يصور الواقع كما هو، بعنفه، بسخريته، وبكامل حمولته المأساوية.
2. هيمنة النبرة السجالية والبنية الحجاجية :
تقوم بنية القصائد على منطق السجال والجدال، حيث يفترض وجود “آخر” يخاطب أو يحاجج: إما المجتمع، أو المتسول نفسه، أو ضمير الجماعة. هذا الخطاب الجدلي يغني التفاعل بين الذات الشاعرة والمتلقي، ويجعل من النص مساحة توتر تعبيري تمارس فيها المحاكمة الرمزية والرفض والاتهام.
3. توظيف اليومي واللغة الشفوية :
من الناحية اللغوية، تعتمد القصائد على الدارجة المغربية في أنقى تمظهراتها الشعبية، متكئة على مفردات الحياة اليومية، واستعارات الشارع، ونبرات الخطاب الشفوي. وهو ما يكسب النصوص مشروعية مضاعفة: مشروعية فنية تنبع من الإخلاص للهوية، ومشروعية تواصلية تسهم في استقطاب المتلقي العادي دون الحاجة إلى تكلف لغوي أو تنظير أكاديمي.
4. التوتر بين الشاعرية والتقريرية :
رغم القيمة التوثيقية والمضمونية العالية، تظل بعض المقاطع مشدودة إلى خطاب تقريري مباشر يخاطب العقل أكثر من الحس. وهذا أمر يمكن تفهمه ضمن استراتيجية “القول الصريح” التي يفرضها الموضوع ذاته، غير أن هذا التوتر بين الوظيفة التوثيقية والشاعرية يطرح سؤالا فنيا مشروعا حول إمكانية الحفاظ على الطابع الزجلي دون الانزلاق نحو المحكي النثري أو الخطاب الأخلاقي الوعظي.
ــ نحو زجل وظيفي يحمل هم المجتمع :
إن القصائد الزجلية التي تطرقت لظاهرة “السعاية” تُشكل نموذجا وظيفيا متقدما للزجل المغربي المعاصر، الذي يتجاوز الجمالية الشكلية لينخرط في مساءلة الواقع ومواجهته. فهي نصوص لا تبحث عن الدهشة اللفظية، بل عن إحداث وعي اجتماعي بالمسكوت عنه والمزيف والمعطوب.
من خلال هذه المعالجة، يتأكد أن الزجل المغربي ليس فقط مرآة للواقع، بل أداة فكرية وأخلاقية مقاومة، تسائل السلوكيات الاجتماعية، وتحفر في الطبقات المطمورة من الذاكرة الجماعية، لتعيد للقول الشعبي مكانته كممارسة معرفية وفنية في آن واحد .