تمكنت عناصر المركز القضائي للدرك الملكي ببنسودة بمدينة فاس من تفكيك شبكة إجرامية متورطة في سرقة الأسلاك النحاسية الخاصة بالكهرباء وعجلات حاويات الأزبال، في عملية أعادت تسليط الضوء على تنامي ما بات يعرف بـ“جرائم الخردة”، وهي ظاهرة أصبحت تؤرق الجماعات الترابية والمصالح العمومية بسبب انعكاساتها الخطيرة على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
العملية، التي جرت تحت إشراف رئيس المركز لاجودان محمد نظامي، جاءت بعد تحريات ميدانية دقيقة قادت إلى توقيف عناصر الشبكة التي كانت تنشط بمنطقة عين الشقف التابعة لإقليم مولاي يعقوب، حيث كشفت التحقيقات الأولية أن المشتبه فيهم كانوا يستهدفون الأسلاك النحاسية وعجلات الحاويات قبل بيعها لوسطاء ينشطون في تجارة المتلاشيات والخردة بكل من عين الشكاك وبنسودة.
ورغم أن هذه السرقات قد تبدو للبعض “بسيطة” مقارنة بجرائم أخرى، إلا أن آثارها على الواقع اليومي للمواطنين تكون كبيرة ومكلفة. فسرقة الأسلاك النحاسية تتسبب في انقطاع التيار الكهربائي وتعطيل الإنارة العمومية وإرباك مصالح حيوية، بينما يؤدي تخريب حاويات الأزبال إلى تدهور خدمات النظافة وانتشار النفايات داخل الأحياء، ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة والبيئة الحضرية.
وتكشف هذه القضية عن تحول بعض أنواع السرقة من أفعال فردية معزولة إلى نشاط منظم قائم على وجود شبكة متكاملة تبدأ بالسرقة وتنتهي بإعادة بيع المسروقات داخل سوق الخردة، حيث أصبح النحاس بشكل خاص مادة مطلوبة بسبب ارتفاع قيمته المالية وسهولة تصريفه في الأسواق غير المهيكلة.
ويرى متابعون أن ارتفاع أسعار المعادن خلال السنوات الأخيرة ساهم في تنامي هذا النوع من الجرائم، إذ تحولت الأسلاك الكهربائية وأغطية البالوعات والتجهيزات المعدنية العمومية إلى أهداف مغرية لبعض الشبكات الإجرامية التي تستغل ضعف المراقبة في بعض المناطق الهامشية أو القروية.
كما تطرح هذه الظاهرة إشكالا آخر يتعلق بمسؤولية بعض محلات شراء المتلاشيات، التي قد تتحول، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى حلقة أساسية في تشجيع هذه السرقات عندما يتم اقتناء مواد مشكوك في مصدرها دون مراقبة أو توثيق قانوني واضح. فوجود سوق تستوعب المسروقات وتسهل إعادة تدويرها يشجع على استمرار هذه الأنشطة الإجرامية وتحولها إلى مورد مالي سريع لبعض المنحرفين.
وفي المقابل، يرى فاعلون محليون أن التصدي لهذه الجرائم لا يجب أن يقتصر فقط على توقيف المنفذين، بل يتطلب أيضا مراقبة مسارات بيع النحاس والخردة وتشديد المراقبة على محلات المتلاشيات، مع فرض عقوبات صارمة على كل من يثبت تورطه في شراء أو ترويج مواد مسروقة.
الارتياح الذي خلفته هذه العملية وسط الساكنة يعكس حجم المعاناة التي كانت تتسبب فيها هذه السرقات، خاصة في ظل تكرار انقطاعات الكهرباء وتخريب الممتلكات الجماعية التي تُمول أساسا من المال العام. كما أن نجاح التدخل الأمني يؤكد أهمية العمل الاستخباراتي الميداني في تفكيك الشبكات المنظمة بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج الظاهرة فقط.
ويرى مراقبون أن هذه الجرائم ترتبط أيضا بأبعاد اجتماعية واقتصادية معقدة، من بينها البطالة والهشاشة وانتشار الاقتصاد غير المهيكل، وهو ما يجعل بعض الشباب ينخرطون في أنشطة غير قانونية بحثا عن الربح السريع، في غياب بدائل اقتصادية حقيقية.
وبين الحاجة إلى تشديد العقوبات وتوسيع المراقبة، وبين ضرورة معالجة الأسباب الاجتماعية العميقة، تبقى قضية سرقة النحاس والممتلكات العمومية مؤشرا على نوع جديد من الجرائم التي تستنزف البنية التحتية وتكلف الدولة والجماعات الترابية خسائر مالية متكررة، بينما يدفع المواطن الثمن في النهاية من جودة الخدمات واستقرار المرافق الأساسية.