أثار حجز حوالي 25 طناً من مادة “جافيل” المزوّرة داخل مستودع سري بمنطقة عين الشقف ضواحي فاس حالة استنفار أمني واسعة، بعدما كشفت العملية عن جانب خطير من الأنشطة السرية المرتبطة بتصنيع وترويج مواد التنظيف بطرق عشوائية، في ظاهرة باتت تشكل تهديدا مباشرا لصحة المواطنين وسلامتهم داخل المنازل والمؤسسات على حد سواء.
العملية الأمنية، التي وُصفت بالنوعية، لم تكن مجرد تدخل لحجز كمية من المواد الكيميائية، بل فتحت الباب أمام أسئلة مقلقة حول انتشار شبكات متخصصة في تقليد مواد التنظيف المعروفة وتسويقها بطرق غير قانونية داخل الأسواق الشعبية والمحلات التجارية، مستفيدة من الإقبال الكبير على هذه المنتجات بسبب أسعارها المنخفضة والاستعمال اليومي الواسع لها.
وتشير معطيات متداولة إلى أن بعض الورشات السرية تعتمد على خلط مواد كيميائية مجهولة المصدر داخل ظروف تفتقر لأبسط معايير السلامة، قبل تعبئتها داخل قنينات تحمل أسماء وعلامات شبيهة بمنتجات أصلية معروفة، ما يجعل المستهلك العادي عاجزا عن التمييز بين المنتوج الحقيقي والمزور. والخطورة هنا لا تتعلق فقط بالغش التجاري، بل بإمكانية احتواء هذه المواد على تركيبات سامة أو نسب مرتفعة من المواد الكيميائية القوية التي قد تسبب أضرارا صحية خطيرة.
ويرى مختصون أن مادة “جافيل”، رغم استخدامها الواسع في التنظيف والتعقيم، تظل مادة كيميائية حساسة تتطلب شروطا دقيقة في التصنيع والتخزين، لأن أي خلل في التركيبة أو نسب المواد المكونة لها قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، من بينها الاختناق والحروق الجلدية ومشاكل الجهاز التنفسي، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
كما أن تصنيع هذه المواد داخل مستودعات سرية بعيدا عن المراقبة يضاعف من المخاطر البيئية، إذ غالبا ما يتم التخلص من المخلفات الكيميائية بطرق عشوائية قد تلوث المياه والتربة، إضافة إلى احتمال وقوع انفجارات أو حرائق بسبب سوء تخزين المواد القابلة للتفاعل.
وتكشف هذه القضية عن تنامي اقتصاد سري قائم على تقليد مواد الاستهلاك اليومي، حيث لم يعد الأمر يقتصر على المواد الغذائية أو مستحضرات التجميل، بل امتد إلى مواد التنظيف والتعقيم التي دخلت بقوة إلى كل بيت، خاصة بعد السنوات الأخيرة التي ارتفع فيها الطلب على المنتجات المعقمة والمنظفة.
ويربط متابعون انتشار هذه الظاهرة بعدة عوامل، أبرزها ضعف الوعي لدى بعض المستهلكين الذين ينجذبون نحو الأسعار الرخيصة دون الانتباه إلى مصدر المنتوج وجودته، إضافة إلى توسع قنوات التوزيع غير المهيكلة التي تسمح بتسويق منتجات مجهولة المصدر بعيدا عن أعين المراقبة.
وفي المقابل، يطرح حجز هذه الكمية الكبيرة من “الجافيل” المزوّر تساؤلات حول حجم الكميات التي قد تكون وصلت بالفعل إلى الأسواق، وحول الجهات التي تقف وراء هذه الشبكات، خاصة أن نشاطا بهذا الحجم يفترض وجود منظومة للتصنيع والتوزيع والترويج تحقق أرباحا مالية مهمة على حساب صحة المواطنين.
ويرى فاعلون في مجال حماية المستهلك أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تشديد المراقبة على المستودعات السرية ومحلات بيع مواد التنظيف بالجملة، مع فرض عقوبات صارمة على المتورطين في الغش الكيميائي، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية تدعو المواطنين إلى اقتناء المنتجات المعروفة والمطابقة للمعايير الصحية، وتجنب المواد مجهولة المصدر مهما كانت أسعارها منخفضة.
كما يدعو مهنيون إلى تعزيز آليات تتبع المنتجات الكيميائية داخل السوق، عبر مراقبة مسارات التصنيع والتوزيع، لأن بعض الشبكات تستغل غياب المراقبة الصارمة لترويج منتجات قد تتحول داخل البيوت إلى قنابل صحية صامتة.
وبينما تتواصل التحقيقات لكشف جميع المتورطين في هذه القضية، تبقى عملية عين الشقف مؤشرا واضحا على حجم الخطر الذي تمثله المصانع السرية للمواد الكيميائية، وعلى الحاجة الملحة إلى حماية المستهلك المغربي من شبكات الغش التي أصبحت تستهدف كل ما يدخل إلى الحياة اليومية للمواطن، حتى مواد التنظيف التي يفترض أن تكون وسيلة للحفاظ على الصحة والنظافة.