مهرجان “ربيع أكدال”.. حين تُقصى الجمعيات ويُختزل الفعل الثقافي في واجهة احتفالية

محمد جمال نخيلة

رغم ما يُروَّج له من شعارات مرتبطة بتنشيط الحياة الثقافية وإحياء الفضاءات العمومية، يطرح مهرجان “ربيع أكدال” أكثر من علامة استفهام حول طبيعة المقاربة المعتمدة في تنزيل هذا الحدث، خاصة في ظل الغياب شبه التام للجمعيات المحلية والفعاليات المدنية التي ظلت لسنوات تشكل العمود الفقري لأي نشاط ثقافي أو فني داخل المقاطعات.
فالمتتبع للشأن الثقافي يلاحظ أن عددا من الجمعيات، بمختلف تخصصاتها الفنية والتربوية والاجتماعية، لم تجد لها مكانا داخل هذا الموعد، لا من حيث المشاركة ولا حتى على مستوى التشاور أو الانفتاح. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: أين هي جمعيات المسرح؟ أين الفرق الموسيقية المحلية؟ أين نوادي الشباب والتنشيط الثقافي؟ وأين الطاقات التي تشتغل طوال السنة في صمت داخل الأحياء والمؤسسات؟
العديد من الفاعلين الجمعويين يعتبرون أن المشكل لا يرتبط فقط بالإقصاء من المهرجان، بل يتعداه إلى غياب رؤية حقيقية لدعم العمل الجمعوي. فالباب، حسب تعبير عدد منهم، أصبح “مغلقا” أمام المبادرات المحلية، سواء من خلال ضعف الدعم أو غياب التحفيز أو حتى انعدام قنوات التواصل مع المسؤولين عن تدبير الشأن الثقافي بالمقاطعات.


والأخطر من ذلك أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على المشهد الثقافي المحلي، الذي بدأ يفقد روحه التشاركية لصالح أنشطة موسمية عابرة، تُنظم في كثير من الأحيان بمنطق الصورة والواجهة، بدل الاستثمار في الإنسان والثقافة القريبة من المواطنين.
إن أي مهرجان يراد له النجاح والاستمرارية، لا يمكن أن يبنى فقط على استقدام فنانين أو تنظيم سهرات، بل يحتاج إلى إشراك حقيقي للنسيج الجمعوي باعتباره شريكا أساسيا في التنمية الثقافية. فالجمعيات ليست مجرد رقم تكميلي، بل فضاء لصناعة المواهب وتأطير الشباب ومحاربة الفراغ والإقصاء.
اليوم، وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال أكبر: إلى أين يسير المشهد الثقافي داخل المقاطعات؟ وهل ما يقع هو مجرد ارتباك تنظيمي عابر، أم أن هناك توجها نحو تهميش الفاعل الجمعوي وتعويضه بثقافة المناسبات؟
إن إعادة الثقة بين المؤسسات والجمعيات باتت ضرورة ملحة، لأن الثقافة لا يمكن أن تزدهر في بيئة يغيب عنها الحوار والدعم وتكافؤ الفرص. كما أن نجاح أي مهرجان يقاس بمدى قدرته على احتضان الطاقات المحلية، لا بعدد المنصات والأضواء فقط.

إقصاء فنانو المقاطعة من منصة يفترض أنها تمثلهم :

أثار تنظيم فعاليات مهرجان “ربيع أكدال” بمدينة فاس موجة من التساؤلات وسط عدد من المتابعين والفاعلين الثقافيين، بعد أن اختارت الجهة المنظمة برمجة فنانين من مدن أخرى لإحياء السهرة الختامية، في مقابل غياب أسماء فنية محلية تنتمي إلى مقاطعة أكدال نفسها، رغم توفر المنطقة على طاقات إبداعية شابة وتجارب فنية راكمت حضورا محترما داخل الساحة الثقافية.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة النقاش حول طريقة تدبير التظاهرات الفنية والثقافية، ومدى احترامها لمبدأ الإنصاف الثقافي وإعطاء الأولوية لأبناء المنطقة الذين يعتبرون أنفسهم أولى بالظهور فوق منصة مهرجان يحمل اسم مقاطعتهم. فعدد من الفنانين المحليين عبّروا، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن شعورهم بالتهميش، معتبرين أن استقدام أسماء من خارج المدينة في كل دورة أصبح يشكل نوعا من “الإقصاء غير المعلن” للفنان الفاسي.


ويرى متتبعون أن المهرجانات المحلية لا يفترض أن تكون فقط فضاءات للفرجة، بل يجب أن تتحول إلى منصة لاكتشاف المواهب وتشجيع الإنتاج الثقافي المحلي، خصوصا في مدينة بحجم فاس المعروفة بتاريخها الفني والتراثي العريق. فحين يغيب الفنان المحلي عن أهم فقرات المهرجان، وخاصة السهرة الختامية التي تحظى بأكبر حضور جماهيري وإعلامي، فإن الرسالة التي تصل إلى الشباب المبدع تكون سلبية، وتؤكد بالنسبة لهم أن الاجتهاد داخل المدينة لا يكفي لنيل فرصة الظهور.
كما أن هذا الجدل يفتح باب التساؤل حول المعايير المعتمدة في اختيار المشاركين، وهل يتم الاعتماد على الكفاءة الفنية فعلا، أم أن الأمر يخضع لحسابات أخرى بعيدة عن مبدأ تكافؤ الفرص. فالكثير من الأصوات الثقافية أصبحت تطالب بضرورة إشراك الفعاليات الفنية المحلية والجمعيات الثقافية في إعداد برامج المهرجانات، بدل الاكتفاء بقرارات مغلقة لا تعكس انتظارات الساكنة ولا طموحات الفنانين الشباب.
وفي مقابل ذلك، يرى البعض أن الانفتاح على فنانين من مدن أخرى يبقى أمرا إيجابيا من حيث تنويع العروض الفنية وإعطاء المهرجان بعدا وطنيا، غير أن هذا الانفتاح لا يجب أن يكون على حساب أبناء المنطقة، بل من المفروض تحقيق توازن يضمن الحضور القوي للفنان المحلي إلى جانب الضيوف.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو إعادة الثقة بين المؤسسات المنظمة والمشهد الثقافي المحلي، عبر تبني مقاربة تشاركية تجعل من مهرجان “ربيع أكدال” مناسبة للاحتفاء بطاقات فاس أولا، قبل البحث عن أسماء من خارج المدينة. لأن أي مهرجان يفقد ارتباطه بمحيطه الثقافي يتحول تدريجيا إلى تظاهرة عابرة، لا تترك أثرا حقيقيا داخل المجتمع الذي تنظم فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *