حميد طولست.
منذ أن بدأ نجم أيوب بوعدي يلمع في سماء كرة القدم، انطلقت في عالمنا العربي حملة بحث علمية غير مسبوقة، لا في مختبرات الفيزياء النووية ولا في مراكز أبحاث الذكاء الاصطناعي، بل على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
فريق أول حسم الأمر بسرعة قياسية: “السر في التدين” ، وفريق ثانٍ لم يتأخر كثيراً: “لا، السر في الأصول الأمازيغية” ، أما كرة القدم نفسها فقد ظلت جالسة في زاوية الملعب تتساءل: “وهل لي علاقة بالموضوع؟”
بحسب بعض المحللين الجدد، يبدو أن اللاعب لا يحتاج إلى مدرب ولا إلى تدريبات يومية ولا إلى أكاديمية احترافية، بل يكفي أن يكون ملتزماً دينياً حتى يتحول تلقائياً إلى صانع ألعاب عالمي ، ولو كان الأمر كذلك لكانت المساجد والزوايا تتصدر ترتيب الدوريات العالمية، ولكانت كؤوس العالم تتنقل بين حلقات الذكر بدلاً من ملاعب كرة القدم.
أما أنصار النظرية الثانية، فقد اكتشفوا أن المراوغة والتمريرات الدقيقة والذكاء التكتيكي كلها مخزنة داخل الجينات الأمازيغية، تنتظر فقط لحظة الظهور ، ولا نعرف لماذا لم تتحول مختبرات البيولوجيا بعد إلى أكاديميات كروية، ولماذا لا توزع الفيفا الميداليات الذهبية بناءً على نتائج تحاليل الحمض النووي.
الغريب أن الطرفين يتفقان على شيء واحد هو: تجاهل كل ما هو موجود بين الطفل الموهوب واللاعب العالمي.
يتجاهلون الملاعب القريبة، والمدارس الرياضية، والمدربين المؤهلين، وبرامج التكوين، والرعاية الصحية، والتغذية السليمة، والدعم النفسي، والمتابعة التقنية، وساعات التدريب الطويلة التي لا يراها أحد.
إنهم يشبهون من يرى ثمرة تفاحة ناضجة في أعلى الشجرة، فينشغل بلونها وشكلها، وينسى الجذور والتربة والماء والشمس والفلاح الذي سهر عليها سنوات.
فأيوب بوعدي لم يهبط من السماء بمظلة ذهبية، ولم تستيقظ جيناته ذات صباح لتعلن انطلاق مشروع نجم عالمي ، لقد نشأ في بيئة رياضية منظمة تعرف كيف تكتشف الموهبة وتحميها وتطورها وتمنحها فرصة عادلة للنمو.
حيث، يجد الطفل ملعباً أكثر مما يجد عندنا حفرة في الطريق ، ويجد مدرباً مختصاً قبل أن يجد صاحب “النصيحة المجانية” ، ويجد برنامجاً للتطوير قبل أن يجد من يخبره أن مستقبله مرهون بالحظ أو بالمعجزات.
السؤال الحقيقي ليس لماذا نجح أيوب بوعدي، بل لماذا ينجح آلاف أبناء الجالية المغربية في الخارج في مختلف المجالات، بينما يضطر آلاف الموهوبين داخل الوطن إلى مطاردة أحلامهم بين الأزقة والأرصفة والمساحات المهملة؟
هل السبب أن الهواء في أوروبا يحتوي على فيتامين خاص بالنجاح؟
أم أن ملاعب الأحياء هناك تسقى بماء سحري؟
أم أن السر يكمن ببساطة في وجود مؤسسات تؤمن بأن الطفل مشروع مواطن ومنتج ومبدع، وليس مجرد رقم إضافي في الإحصائيات؟
الحقيقة المؤلمة أن بعضنا يفضل البحث عن تفسير أسطوري لكل نجاح، لأن التفسير الواقعي يضعنا أمام مسؤوليات ثقيلة ، فمن الأسهل أن نقول إن السر في العرق أو التدين، من أن نسأل لماذا لا تتوفر لأطفالنا نفس شروط التكوين والنجاح.
لذلك، دعوا جينات أيوب ترتاح قليلاً، واتركوا وضوء تمريراته الحاسمة جانباً، وانظروا إلى ما هو أبسط وأوضح: ملاعب، مدارس، مدربون، تكوين، وعدالة في الفرص.
فهناك يبدأ النجاح وهناك فقط تُصنع النجوم.