حميد طولست،كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن السيد بوعيدة، البرلماني الاستقلالي، قد صدّق فعلًا أن احترام المغاربة له هو توقيع على بياض ، أو تفويض مفتوح للعبث بالمصطلحات الرسمية. غره تقدير المواطنين الطيبين، فقرر أن يُعيد إحياء جثةٍ سياسيةٍ أعلن جلالته شخصيًا وفاتها في الخطاب الملكي الأخير بمناسبة قرار الأمم المتحدة حول قضية الصحراء: جثة ما كان يُعرف بـ”المغرب العربي الكبير”.
وربما نسي – أو تناسى – البرلماني الگلميمي أن الملك قالها بوضوح لا لبس فيه: انتهى زمن الأساطير الإيديولوجية، وبدأ زمن الاتحاد المغاربي الواقعي. لكن السيد بوعيدة أصرّ على تكرار عبارة “المغرب العربي”، وكأننا به يظن أن استعارة قاموس عبد الناصر والقذافي وبومدين ستمنحه مجدًا رقميا، وترفع عائدات “الأدسنس” في قناته اليوتيوبية.
يا سي عبد الرحيم، المغاربة الذين احترموك كبرلماني، وأستاذ جامعي، ومؤثرٍ رقمي، فعلوا ذلك لرصانةً كانت أجمل من أن تلوثها نزوة لغوية من زمن البعث والقومية البائدة.
أما محاولتك النفخ في رماد “المغرب العربي”، فليست إلا إعلانًا غير مباشر لانفصالك عن واقعهم الشمال إفريقي الذي عاد إلى أصله الأمازيغي، الثقافي والتاريخي والإنساني.
ربما تكون معذورًا في ذلك ؛ لأن الحزب الذي التحقت به – كغطاء سياسي أو كترضية عائلية – كان دائمًا يرفع شعار “المغرب لنا لا لغيرنا”، بينما كان في الخفاء يدفن لسان الأرض وسرّ الإنسان.
وأقل ما يمكن أن يفعله برلماني مثلك، يا أستاذ الجامعة، هو احترام وطنه ودستوره وملكه، وألا يستفز أبناء بلده الذين احترموه حتى تمنّوا أن يروه يومًا رئيسًا للحكومة بتقويل ملكهم ما لم يقله، ولكنك، حين اخترت تحريف كلام ملكهم، خسرت كل احترامهم، وكثيرًا من مصداقيتك.
سيقول المدافعون عنك: “لقد استعمل المصطلح كما هو متداول في الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا”.
فنقول لهم: جميل! ولماذا لا يستعمل إذًا عبارة “الصحراء الغربية” كما يستعملها هؤلاء؟
الجواب معروف: لأنه يخاف من “النعوث” التي سيلصقها به المغاربة.
ثم، هل نسيتم أن أعلى سلطة في البلاد – الملك والدستور – تتحدث عن المغرب الكبير لا عن المغرب العربي؟
فما هذا الشذوذ اللغوي والسياسي يا سي عبد الرحيم؟ أهو نزوة قومجية قديمة؟ أم نغزة أيديولوجية تستحضر بها ذكريات فائتة.
اعلم يا سي عبد الرحيم أن مصطلح “المغرب العربي” ينتمي إلى ما قبل 31 أكتوبر، أما بعد هذا التاريخ فهناك مغرب جديد، له مصطلحاته وهويته ونظاراته الخاصة.
فلا تكن ⴰⵎⵚⵓⴹ وتسير ضد التيار. بمعنى: “لا تكون عنيدا بلا غاية”.
نحن معك في الدفاع عن الوطن، لكن الدفاع الحقيقي لا يكون بمصطلحات استُهلكت حتى التلاشي، ولا بإيديولوجيات خرّبت أوطانها.
نحترمك، ما دمت تحترم هوية هذا الوطن وثقافته المتجذّرة… فالمغرب الكبير لا يحتاج من يُعرّبه، بل من يُدرك كِبره الحقيقي.
حميد طولست،كاتب ساخر وناقد اجتماعي.