هل لتعريب الطوبونيميا دور مباشر في الكوارث؟

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

سؤالُ يُطرح بكثرة مع ما عرفته البلاد من الكوارث الطبيعية بسبب طمس الذاكرة اللغوية للأمكنة المتضررة.
في هذا البلد الجميل ، لا نُحب التحذيرات الواضحة ،ونفضّل العناوين الجميلة على الحقائق المزعجة، و نكذب الطوبونيميا ونُغيّر أسماء الأماكن كما نُغيّر لافتات المحلات، ثم نندهش — ببراءة مريبة — حين تغرق الأحياء، وتطفو الحقيقة فوق الماء.
لنكن صرحاء: الطبيعة لا تنتقم، نحن فقط نُصرّ على استفزازها.
من “تامدا” إلى حيّ سكني، ثم إلى مسبح جماعي ، لنأخذ مثال القصر الكبير ، اسمها الأمازيغي القديم “تامدا”، ويعني: البحيرة، المستنقع، الأرض المشبعة بالماء ، اسم واضح، فجّ، لا مجاز فيه ولا شعر.
بعبارة أخرى: “انتبه! هنا يسكن الماء… وليس البشر”، لكن ماذا فعلنا؟ عربنا الاسم، مسحنا الذاكرة، وبنينا فوق المستنقع أحياء سكنية، ومدارس، ومساجد، ثم وقفنا مذهولين حين عاد الماء إلى بيته القديم.
عاد ليقول: أنا لم أذهب يومًا ، أنتم فقط افاردتم أنني اختفيت.
نفس القصة، وبنفس السيناريو الرديء، مع آسفي ، التي كان اسمها الأمازيغي “أسفي/أسيف”، ومعناه: النهر، المصب، المكان الذي تسيل فيه المياه بقوة.
اسم ليس بطاقة بريدية، بل نشرة إنذار مبكر ، لكن التعريب حوّل الاسم إلى صوت بلا معنى، إلى لافتة سياحية، إلى حروف لا تقول شيئًا ، فبُنيت العمارات حيث تمر السيول، ورُدمت المجاري، ثم حين فاض الماء، صرخنا: “الكارثة غير متوقعة!”
غير متوقعة لمن؟ ليس للأرض، بل لذاكرتنا المصابة بفقدان المعنى. الأمازيغ سمّوا ، ونحن كذّبنا ، الأمازيغ لم يكونوا شعراء رومانسيين وهم يسمّون الأرض ، بل كانوا جيولوجيين بالفطرة: “أسيف” = هنا ماء ، “تامدا” = هنا غرق ، “مرجة” = هنا مستنقع…
أسماء تُغني عن ألف تقرير تقني، لكننا فضّلنا الخرسانة على الحكمة،
والإسمنت على اللغة، والمخطط العقاري على الخريطة الطبيعية.
ليست المشكلة في التعريب ، بل في الغباء العمراني
لنتفق: التعريب ليس شيطانًا جيولوجيًا، لكنّه يصبح خطرًا حين يتعمد به محو المعنى ، وقطع الصلة بين الاسم والمكان، وتحويل التحذير الطبيعي إلى اسم بلا ذاكرة…
وهنا يبدأ العبث: نبني في الوادي، ثم نُطالب الدولة بتجفيف الماء،
كأن السيول موظف جماعي تأخر عن العمل.
الخلاصة (بلا مجاملة لغوية)
الأسماء الأمازيغية القديمة للأماكن لم تكن تراثًا فولكلوريًا ،بل كانت تعليمات استعمال الأرض ، وحين كسرنا التعليمات، تعطّل نظام الماء ، الذي لا يقرأ قرارات المجالس، ولا يحترم التصاميم الحضرية،
ولا يعنيه إن كان الاسم عربيًا أو أمازيغيًا.
فهو فقط يعود إلى حيث كُتب اسمه أول مرة.
وتبقى المفارقة القاسية؟ أننا حين نغرق، نسمّيها “كارثة طبيعية”
بينما هي في الحقيقة كارثة تعريب متعمد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *