حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي
قرأتُ خبرًا يبدو عاديًا جدًا في البلدان التي تتعامل مع مواطنيها باعتبارهم مواطنين قبل أي شيء آخر. خبرٌ لا يثير الدهشة في الدول التي لا تقيس قيمة الإنسان باسم أبيه أو منصبه أو رتبته، بل بصفته مواطنًا يؤدي ما عليه كما يؤديه غيره.
الخبر يقول:” إن نجل وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش أصيب، إلى جانب جنود آخرين، أثناء نشاط عسكري على الحدود مع لبنان”.
في الدول التي تحترم نفسها، هذا خبر عابر ، ابن وزير جندي مثل غيره ، يصاب كما يُصاب غيره، ويقف في الجبهة كما يقف غيره.
لكن عندنا ، تحوّل الخبر إلى لغز حضاري معقّد أربك كثيرًا من أصحاب نظرية “المؤامرة” ودفع بهم للتساؤل: كيف يمكن أن يُجنَّد ابن وزير؟!
بل كيف يُسمح له بأن يقترب من جبهة النار؟! وهل يعقل أن يُعرَّض للخطر بدل أن يُحاط بعشرة حراس وثلاثة أسوار وسبع سيارات مصفحة؟!
أما الأكثر غرابة في نظرهم، فهو أن المجنَّد ليس ابن أي وزير ، بل ابن الوزير الرس والعنيد سموتريتش نفسه!
غير أن المفارقة الكبرى لم تكن في الخبر ذاته، بل في طريقة استقبل “كحل الراس” الخبر ،فبدل أن يتساءل المستغربون:كيف وصلت تلك المجتمعات إلى درجة من المساواة تجعل ابن الوزير وابن العامل البسيط يقفان في الصف نفسه؟
بدل هذا السؤال البسيط…انطلقت القوافل الدعائية من الأدعية الجاهزة المحفوظة عن ظهر قلب: الله أكبر ولله الحمد… اللهم زد وبارك…
الله لا يشفيه… اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك… ربنا أرنا فيهم آياتك…
إلى آخر ذلك المخزون الدعائي الجاهز الذي يُستخرج فورًا من الذاكرة، مثل زر الطوارئ، كلما ظهر خبر لا ينسجم مع القالب الذهني المريح.
والطريف أن أحدًا من هؤلاء لم يتوقف لحظة ليربط بين الخبر وبين الفكرة البسيطة خلفه:أن تلك البلاد – رغم كل ما يقال عنها – تُطبّق مبدأً لا يزال عندنا أقرب إلى الخيال العلمي هو: أن يكون ابن الوزير مواطنًا.
أما عندنا، فالمعادلة أكثر وضوحًا وبساطة:
ابن الوزير ، فهو مشروع وزير. وابن المسؤول ، فهو مسؤول صغير في طور التكوين. وابن المواطن البسيط ، يبقى مواطن كامل الصلاحية لتحمّل كل الواجبات.
أما الحقوق ، فذلك موضوع آخر يحتاج، على ما يبدو، إلى لجنة خاصة من أبناء الوزراء لدراسته.