الجديد بريس
لم تعد ظاهرة الانتقال الحزبي أو الانسحاب من التنظيمات السياسية في المغرب مجرد سلوك فردي معزول، بل أضحت تعبيراً عن أزمة بنيوية عميقة تمس علاقة الأحزاب بنخبها، خصوصاً فئة الشباب. وفي هذا السياق، تكتسي استقالة أحد الأطر الشابة من اللجنة المركزية لـ حزب التقدم والاشتراكية دلالة تتجاوز بعدها الشخصي، لتتحول إلى مدخل لفهم أعطاب متراكمة في بنية العمل الحزبي.
الاستقالة التي تقدم بها الدكتور حسن الشاديلي لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها نهاية مسار تنظيمي، بل هي أيضاً رسالة سياسية غير مباشرة من داخل “المطبخ الحزبي”. فالمعني بالأمر لم يكن مجرد عضو عادي، بل فاعل راكم تجربة تنظيمية ممتدة، ما يجعل قراره أقرب إلى موقف نقدي من الداخل، يعكس فجوة بين الطموح النظري والممارسة الواقعية.
هذا المعطى يكتسب أهمية خاصة في ظل الخطاب الذي يرفعه الأمين العام للحزب نبيل بنعبد الله، والذي يؤكد باستمرار على مركزية الشباب في مشروع الحزب. غير أن تكرار مثل هذه الحالات يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتعلق الأمر بعجز في التنزيل، أم بإشكال أعمق مرتبط بثقافة تنظيمية لم تُحدّث بعد؟
في العمق، تكشف هذه الاستقالة عن ثلاث إشكالات مركزية:
أولاً، أزمة الوساطة الداخلية: حيث لم تعد الهياكل الحزبية قادرة على استيعاب النقاشات النقدية أو تحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع جماعية. وهو ما يدفع العديد من الكفاءات إلى الشعور بالتهميش، حتى وهي داخل مواقع القرار.
ثانياً، محدودية التداول الحقيقي على المسؤوليات: فبالرغم من وجود واجهات شبابية، إلا أن مراكز القرار الفعلية تظل، في كثير من الأحيان، محكومة بمنطق الاستمرارية لا التجديد، ما يخلق نوعاً من الإحباط لدى الأجيال الصاعدة.
ثالثاً، تآكل الجاذبية السياسية: في سياق اجتماعي يعرف تحولات عميقة، لم تعد الشعارات التقليدية كافية لاستقطاب الشباب، الذين يبحثون عن فضاءات تمكنهم من التأثير الحقيقي، لا مجرد الحضور الرمزي.
وإذا كان من اللافت في هذه الاستقالة هو طابعها الهادئ والخالي من التصعيد، فإن ذلك يعكس تحولا في طبيعة الاحتجاج السياسي داخل الأحزاب. لم يعد الأمر مرتبطاً بالصراع العلني، بل بات يأخذ شكل “انسحاب صامت” يحمل في طياته نقداً عميقاً وأكثر إيلاماً.
الأخطر في هذه الظاهرة ليس عدد الاستقالات في حد ذاته، بل ما تعكسه من فقدان تدريجي للثقة في جدوى العمل الحزبي كآلية للتأثير والتغيير. وهو ما يطرح تحدياً استراتيجياً أمام مجمل الأحزاب المغربية، وليس فقط حزب التقدم والاشتراكية، يتمثل في ضرورة إعادة بناء العلاقة مع الكفاءات الشابة على أسس جديدة قوامها الشفافية، الفعالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في النهاية، يمكن القول إن استقالة من هذا النوع ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر إنذاري. فإذا لم تتحول مثل هذه الرسائل إلى فرصة للمراجعة والتصحيح، فإن ظاهرة “الهجرة من الداخل” قد تتسع، لتفرغ الأحزاب من طاقاتها الحية، وتعمق أزمة الوساطة السياسية في بلد يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نخب متجددة وقادرة على مواكبة التحولات.