حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في هذا العالم الواسع المليء بالتعقيد، اكتشف بعض عباقرة التحليل السياسي اختراعاً مذهلاً: تقليص الكرة الأرضية إلى خيارين فقط:إما أن تكون مع إيران ،أو مع إسرائيل ،وما بينهما، لا شيء ، لا عقل، ولا تحليل، ولا حتى مساحة للتفكير.
الأمر بسيط جداً وفق هذه المدرسة الجديدة في الفهم السياسي: إذا قلت إن لإيران مشروعاً توسعياً في المنطقة، فمعنى ذلك أنك أصبحت فوراً عضواً فخرياً في نادي “اليهود والنصارى”،أما إذا أظهرت تعاطفاً مع موقف إيران هنا أو هناك، فمرحباً بك فوراً في محور“الممانعة الكونية”، حيث تُوزَّع صكوك الإيمان السياسي بالجملة.
بهذا المنطق البديع، لم تعد السياسة علماً معقداً يقوم على تحليل المصالح والتوازنات، بل تحولت إلى استفتاء كروي عالمي: اختر فريقك المفضل، وابدأ التشجيع.
المشكلة أن هذا التفكير ليس تحليلاً سياسياً أصلاً، بل مغالطة منطقية معروفة اسمها الثنائية الزائفة؛ أي اختزال واقع شديد التعقيد في خيارين متقابلين، وكأن الكون كله محكوم بثنائية: إما معنا ،أو مع الشيطان.
هذا المنطق يفترض ضمنياً أن من ينتقد إيران لا بد أنه واقع في غرام المشروع الغربي أو الاحتلال الإسرائيلي، وأن من يتقاطع معها في موقف ما لا بد أنه دخل في بيعة أبدية لمحورها.
لكن الحقيقة أبسط وأعقل من ذلك بكثير: المواقف السياسية الرشيدة لا تُبنى على اختيار السيد، بل على اختيار المبدأ.
يمكنك أن ترفض سياسات إيران التوسعية في المنطقة دون أن تصبح متحدثاً باسم البنتاغون ، كما يمكنك أن تنتقد الاحتلال الإسرائيلي دون أن تتحول إلى جندي في محور طهران.
السياسة ليست مباراة نهائية في دوري الأبطال، ولا جمهوراً يلوّح بالأعلام ويهتف للفريق الذي اختاره إلى الأبد ، إنها مساحة نقد دائم، وتقييم مستمر لكل فاعل وفق أفعاله لا وفق الشعارات التي يرفعها.
غير أن بعض العقول، للأسف، لا تحب هذه المنطقة الرمادية الواسعة التي اسمها التفكير ، وتفضل اختصار الكون في معادلة بسيطة: إما أن تصفق لنا ، أو أنك تعمل لدى بني صهيون.
ولكي يكتمل المشهد، يتم تسويق الصراع أحياناً بجرعة كثيفة من الخطاب الغيبي؛ حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى مسرح لاهوتي، ويصبح “النصر الإلهي” نتيجة حتمية مقررة سلفاً في السماء.
الوهم الذي بيع لسنوات طويلة، وبكميات كبيرة — بالفارسية والعربية معاً — حتى بدا وكأن السماء تدير غرف العمليات العسكرية بنفسها.
لكن المشكلة أن الحروب الحديثة لا تُدار في حلقات الذكر، ولا تُحسم بارتفاع منسوب الحماسة الخطابية على المنابر، بل إنها تُحسم في مختبرات التكنولوجيا، وفي مراكز البحث العلمي، وفي حسابات القوة الدقيقة.
ولهذا تكون الصدمة قاسية عندما يكتشف المؤمنون بالرواية الغيبية أن الواقع لا يتصرف وفق النصوص التعبوية، وأن “المدد السماوي” لا يصل دائماً في الوقت المتوقع.
عندها تتصدع السردية الكبرى، ويكتشف الناس أن صنم “النصر الإلهي الحتمي لإيران” الذي عُلّق في المخيلة لسنوات طويلة، لم يكن في النهاية سوى بالون خطابياً ضخماً ، انفجر عند أول اختبار جدي مع الواقع.
لأن السياسة، في النهاية، لا تُدار بالمعجزات ، بل بالعقل.
العقل — لحسن الحظ — لا يعرف ثنائية: إما إيران، أو إسرائيل.