حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في خطوة حاسمة ــ كما قيل لنا ــ أنهت الجدل الذي رافق مستقبل الإدارة التقنية للمنتخب الوطني، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعيين محمد وهبي مدرباً جديداً لـ”أسود الأطلس” استعداداً لمونديال 2026، خلفاً للمدرب وليد الركراكي ، الذي صار في المخيلة الجماعية نصف أسطورة ونصف قضية فلسفية:.
وبهذا التعيين، قيل إن الجامعة وضعت حداً للتكهنات التي ربطت المنصب بعدد من الأسماء، من بينها طارق السكتيوي. لكن الحقيقة أن الجدل لم ينتهِ، بل انتقل فقط من سؤال: من سيصبح المدرب؟ إلى سؤال أكثر إثارة:من كان أكثر تواضعاً؟ ومن كان أكثر غروراً؟ ومن غادر القاعة أولاً؟
وهكذا تحوّل النقاش الكروي عندنا من تحليل الخطط التكتيكية إلى تحليل لغة الجسد، ومن مناقشة الضغط العالي إلى دراسة الضغط النفسي، ومن الحديث عن 4-3-3 إلى الحديث عن “الذي طلع القمة وكيف ينبغي أن ينزلها”.الذي يتداوله بعض الرواة ــ وهم كُثُر هذه الأيام ــ أن الركراكي لم يصعد إلى المنصة ليسلم مشعل المنتخب لخلفه محمد وهبي. الأمر ما قسم المغاربة، كما ينقسمون دائماً في كل شيء:إلى فريق يرى في الأمر تعالياً وغروراً ، وفريق يرى فيه جرحاً في الكرامة ، وفريق ثالث لا يعرف ما وقع بالضبط لكنه متأكد أن الأمر مؤامرة كونية على الكرة المغربية.
وسط هذا النقاش المحتدم، عاد البعض إلى الحكمة المغربية القديمة التي تحكيها قصة مساعد القايد كان يدعو له عند ركوب الحصان قائلاً: “الله يطلع درجتك على خير”، فيرد القايد: “الطلعة هي هذي ، دعي معايا الله يجعل الهبطة على خير”.
ولو كان هذا المساعد حاضراً في الندوة الصحفية الأخيرة للمنتخب، لربما اكتفى بالدعاء التالي: “الله يطلع المنتخب ويهبط الجدل.”
أما الركراكي فقد تحول في بعض النقاشات من بطل قومي قاد المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم، إلى دليل حي على مخاطر الغرور بعد النجاح.
وهنا تكمن إحدى أعجب الظواهر في الكرة المغربية: فالمدرب نفسه الذي هزم إسبانيا وأقصى البرتغال وجعل العالم يتحدث عن المغرب، يمكن أن يصبح بعد خسارتين في كأس إفريقيا موضوع محاضرة أخلاقية عن التواضع ، وبعبارة أخرى: في المغرب، يمكن أن تكون رابع العالم ، ولكنك تظل تحت الاختبار.
أما المدرب الجديد محمد وهبي، فقد دخل المشهد وسط موجة من الأمنيات الطيبة ، الجميع يتمنى له النجاح، والجميع يؤكد أن المنتخب الآن في أيادٍ آمنة، والجميع ينصحه في الوقت نفسه بعدم الوقوع في الغرور.
وهكذا وجد الرجل نفسه في وضع فريد: لم يبدأ العمل بعد، لكنه تلقى بالفعل أهم درس في التدريب بالمغرب: يمكنك أن تصعد بسرعة لكن احذر أن تنزل بسرعة أكبر.
وبعيداً عن كل هذا السجال، تبقى الحقيقة البسيطة أن الركراكي سيظل المدرب الذي قاد المغرب إلى إنجاز تاريخي في مونديال قطر، وهو إنجاز لم يحققه قبله لا مدرب محلي ولا أجنبي.
كما أن الحقيقة الأخرى هي أن كرة القدم ــ مثل كل شيء في الحياة ــ لا تقف عند أحد ، مدرب يرحل، ومدرب يأتي، والمنتخب يستمر.
لكن ما لا يتغير في المغرب هو شيء آخر تماماً: قدرتنا الخارقة على تحويل كل حدث كروي إلى رواية درامية كاملة فيها: بطل، وخصم، وحكمة شعبية، ودرس أخلاقي، وأحيانا مؤامرة سياسية أيضاً.
الخلاصة الساخرة
في النهاية، قد ينجح محمد وهبي أو يفشل، وقد يعود الركراكي يوماً ما أو لا يعود ، لكن الشيء المؤكد أن المنتخب المغربي سيظل دائماً شيئاً أكبر من مجرد فريق كرة قدم.
إنه ببساطة مختبر وطني للمشاعر: نفرح فيه بسرعة ، ونغضب فيه بسرعة ، ونتحول فيه جميعاً، في ظرف دقائق، إلى مدربين ، وفلاسفة ، وحكماء شعبيين أيضاً…