فاس بلا فضاءات… إغلاق المركب الثقافي الحرية يطرح سؤال الحق في الثقافة

محمد جمال نخيلة 

في قلب العاصمة العلمية فاس، حيث تتقاطع الذاكرة الحضارية مع الإبداع المعاصر، يطفو إلى السطح ملف شائك ظل عالقًا لسنوات: إغلاق المركب الثقافي الحرية بدعوى الإصلاح، دون أن تلوح في الأفق مؤشرات واضحة على إعادة فتحه. هذا الوضع لم يعد مجرد تأخر في مشروع تقني، بل تحوّل إلى أزمة ثقافية حقيقية تعكس هشاشة البنية التحتية المخصصة للفن والإبداع في واحدة من أعرق المدن المغربية.
لقد كان المركب الثقافي الحرية، قبل إغلاقه، متنفسًا حيويًا للفنانين والمبدعين، وفضاءً لاحتضان العروض المسرحية والسينمائية والندوات الفكرية. لكن مع إغلاقه الطويل، وجدت الساحة الثقافية نفسها أمام فراغ خانق، زاد من حدته غياب بدائل حقيقية تستوعب الدينامية الثقافية المتنامية بالمدينة.
المفارقة أن فاس، التي لطالما تغنت بتاريخها العلمي والثقافي، تعاني اليوم من خصاص مهول في قاعات العرض. فباستثناء بعض المبادرات المحدودة أو الفضاءات الخاصة، يواجه الفنانون صعوبات كبيرة في إيجاد منصات لعرض أعمالهم، مما يحدّ من إشعاعهم ويؤثر سلبًا على الحركية الثقافية ككل.
ويؤكد عدد من الفاعلين الثقافيين أن استمرار إغلاق المركب الثقافي الحرية يطرح تساؤلات ملحة حول تدبير المشاريع الثقافية، وغياب رؤية واضحة تضمن استمرارية المرافق الحيوية. كما يشيرون إلى أن “الإصلاح” لم يعد مبررًا مقنعًا أمام طول مدة الإغلاق، في ظل غياب تواصل رسمي يوضح مآل المشروع وآجاله.
في المقابل، يجد الشباب المبدع نفسه محاصرًا بين طموح كبير وواقع محدود الإمكانيات، حيث تتحول المبادرات الفنية إلى رهينة فضاءات ضيقة أو مناسبات موسمية، بدل أن تكون جزءًا من مشهد ثقافي مستدام. وهو ما يهدد بتآكل الرأسمال الثقافي للمدينة، ويدفع بعض المواهب إلى البحث عن فرص خارجها.
إن إغلاق المركب الثقافي الحرية ليس مجرد توقف لمبنى، بل هو تعطيل لروح ثقافية كانت تنبض في أروقته. ومع استمرار هذا الوضع، يصبح من الضروري إعادة النظر في السياسات الثقافية المحلية، وتسريع وتيرة الإصلاحات، أو على الأقل توفير بدائل مؤقتة تضمن استمرارية الفعل الثقافي.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: كيف لمدينة بحجم فاس، بتاريخها العريق وإرثها اللامادي الغني، أن تعجز عن توفير أبسط شروط العرض الثقافي؟ أم أن الثقافة لم تعد ضمن الأولويات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *