صلاة باب دكالة. في مراكش، لم تعد الصلاة مجرد صلاة، بل تحوّلت – بقدرة قادر، وبمباركة جوقة الصراخ الموسمي – إلى “قضية وطنية”

حميد طولست. كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

تستوجب بيانات التنديد، وحملات التخوين، ومهرجانات الصراخ الأخلاقي، حتى صار ما عُرف بـ”صلاة باب دكالة” وكأنه فتحٌ مبين في سجل المؤامرات الكونية ضد الأمة. والحال أن الأمر، لمن أراد أن يرى بعين العقل لا بعين الإيديولوجيا، لا يعدو أن يكون صلاة عادية مارسها رجال دين يهود في فضاء مفتوح، كما يفعل المسلمون يوميًا في مطارات العالم، وشوارع باريس، وساحات مدريد، وحدائق بروكسيل، دون أن يعتبر أحد ذلك احتلالًا روحانيًا أو غزوًا عقديًا. لكن عندنا، يكفي أن يظهر يهودي يصلي حتى تستيقظ في بعض الرؤوس كل أشباح الأندلس، وتُفتح أبواب الفتوى على مصراعيها، ويبدأ موسم البكاء على الإسلام، وكأن الدين الذي صمد أربعة عشر قرنًا سيسقط بركعتين أمام باب دكالة. السؤال الحقيقي ليس: لماذا صلّى هؤلاء هناك؟ بل: لماذا كل هذا الهياج المفتعل؟ ولماذا كل هذه الحملات التي تنضح بالتلفيق الأخلاقي والتسويق الإيديولوجي الرخيص؟ ولماذا يتحول شعار “إسقاط التطبيع” إلى لازمة مسرحية يرددها الكوفيون، والإخونج، والقومج، كلما احتاجوا جرعة جديدة من الشعبوية الرخيصة؟ هل هو فعلًا دفاع عن فلسطين؟ أم هو حسد سياسي من شراكة تُبنى على البراغماتية الواعية، ورُهاب مزمن من مغرب بدأ يُمسك بأوراق لم يكن يُسمح له حتى بالنظر إليها من بعيد؟ إياك أيها المغربي الحر أن تظن – كما يريدون لك أن تظن – أن الأمر مجرد احتجاج بريء أو ساذج على “تطبيع ”. فالموضوع أكبر من ذلك بكثير ، ويتعلق بمغرب لا يتحرك في فراغ، ولا يبني علاقاته بمنطق العواطف الفيسبوكية ولا بخطب المقاهي الثورية ، ويخص مملكة تشتغل على نقلة نوعية حقيقية في عالم المعرفة الصناعية والدفاعية، وعلى بناء استقلال استراتيجي يجعل السيادة واقعًا لا شعارًا، ويحوّل البلاد إلى شريك يُحسب له ألف حساب في غرب المتوسط، وممر استراتيجي لا يمكن تجاوزه. وهنا يبدأ الوجع الحقيقي عند محترفي الصراخ ،من مغرب يمتلك أدوات الردع، ويطوّر شراكاته بعقل الدولة لا بعاطفة الحشود، ما لا يناسب تجار القضية، ولا يخدم أولئك الذين اعتادوا الاستثمار في الشعارات أكثر من الاستثمار في الأوطان. والذين كان هناك من يشتغل ، ومنذ زمن طويل، على تحويلهم وكل المنافقين الذين يركبون على الإسلام، وكل من يسبح معهم في مستنقع “إسلام العمالة”، ومعهم اليسار المتخشب الذي لم يغادر سبعينيات الشعارات، إلى أدوات ضغط تحت الكوفيات، وعملاء متخفين خلف لافتات “مقاطعة التطبيع”، لا حبًا في فلسطين، بل طمعًا في السلطة، ورغبة في إبقاء المغرب رهينة العزلة والارتباك. هم لا يريدون للمغرب أن يتقدم، بل يريدونه فقط أن يصفق لقضاياهم كما يحددونها، وأن يتحرك بإذنهم، ويغضب وفق جدولهم، ويصمت حيث يريدون. ولذلك، لا يجب أن نغتر بزعيقهم، ولا ببكائهم الموسمي على الإسلام.، فمن يصمت عن صلاة المسلمين في شوارع باريس، ويستنفر الدنيا لصلاة يهودية في مراكش، لا يدافع عن الدين، بل يمارس انتقائية سياسية رخيصة تكشف أكثر مما تخفي. المغرب اختار طريق الوضوح، لا من باب الانبهار، بل من باب الامتلاك: امتلاك أوراق الردع، وأدوات التفاوض، ومفاتيح المستقبل. أما هم، فما زالوا يبيعون الوهم بالتقسيط، ويعتبرون الضجيج مشروعًا سياسيًا، ويظنون أن رفع الصوت أعلى من بناء الدولة. وهم يعلمون أن الدول لا تُبنى بالكوفيات، ولا تُحمى بالشعارات، ولا تُدار بالبكاء أمام أبواب التاريخ ، بل تُبنى بالعقل، وتُحمى بالمصالح، ويصنعها من يعرف أن السيادة ليست هتافًا ،بل قرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *