عندما يتحوّل العمل النقابي إلى “حفل حظ” في فاس ! قرعة العمرة بدل قرعة النضال ، مثالا.

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في مشهد يصعب تصنيفه: هل نحن أمام نشاط نقابي؟ أم حفل خيري؟ أم قرعة “يا نصيب” موسمية؟
ما وقع في فاس لم يكن مجرد زلة تنظيمية عابرة، بل فضيحة نقابية بكل المقاييس ، تحوّلت معها ذكرى نقابية إلى منصة لتنظيم قرعة العمرة لعمال النظافة، وسط التصفيق والكاميرات، وبحضور الكاتب الوطني .
وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة ، والأسئلة الثقيلة في العمل النقابي لا تُطرح للتسلية.
كيف يمكن إدراج ملف اجتماعي حساس بحال “العمرة” داخل برنامج نشاط نقابي؟
ومن أعطى الشرعية لهاد الخلط بين العمل الاجتماعي والعمل النقابي؟
ولماذا تم تقديمه بهذا الشكل الاستعراضي أمام القيادة الوطنية؟
الأمر لم يعد مجرد مبادرة اجتماعية ، بل تحول إلى مسرحية نقابية بامتياز، بطلها عامل نظافة، وجائزتها عمرة، والجمهور كاميرات تنتظر اللقطة.
في العمل النقابي-كما عهدناه- يتم تنظيم الإضرابات ، يتم الدفاع عن الحقوق ، تُطرح الملفات المطلبية…
لكن يبدو أن الزمن تغير، وصار من حقنا أن نضيف بنداً جديداً:
تنظيم قرعة العمرة على المباشر.
والأخطر من ذلك، أن هذا المشهد يعطي إشارة واضحة: من يريد الدعم عليه أن يكون داخل النقابة المناسبة.
وهنا نسأل بدارجتنا الفصيحة: فين هما عمال النظافة غير المنتمين؟ فين هما لي منخرطين فنقابات أخرى؟ واش الدعم الاجتماعي ولى امتياز نقابي؟ واش العمرة ولات أداة للاستقطاب؟
إذا كان عامل النظافة غير منتمٍ للنقابة”اللي فيهها يناصيب العمرة”، فهل سيحضر أصلاً لقاءها؟ وإذا حضر، هل سيكون مشاركاً؟ أم مجرد متفرج على “حظ” غيره؟
الجواب واضح ،العمرة هنا لم تعد عمرة ، بل أصبحت ورقة نقابية.

الأخطر في ما وقع، ليس فقط تنظيم القرعة ، بل تزكية المشهد المحرج.
لأن قبول هذا الخلط يعني إعطاء الضوء الأخضر لتحويل الفئات الهشة إلى أدوات في صراعات نقابية ضيقة.
عمال النظافة لا يحتاجون قرعة عمرة، يحتاجون عقود عمل عادلة ، أجوراً محترمة، تغطية صحية شاملة ، حماية اجتماعية كاملة.
لكن يبدو أن “العمرة” أسهل من طرح هذه الملفات.
الانطباع الذي خرج به كثيرون، أن البرنامج كان معداً سلفاً، وأن الكاتب الوطني وجد نفسه أمام مشهد جاهز :عمال نظافة ، صندوق قرعة ، تصفيق، وعدسات تنتظر اللقطة.
وهكذا، يتحول العامل من صاحب قضية إلى ديكور احتفالي.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل نحن أمام خطأ تنظيمي؟
أم أمام توظيف محسوب ، جرّت إليه القيادة في لحظات مفصلية تبغي تغيّرت موازين القوى ؟
فما وقع قبل أيام في فاس ،لم يكن مجرد نشاط ، بل لحظة اختبار تذكرنا بتاريخ الاتحاد العام للشغالين بالمغرب الذي لا يرحم ، وذاكرته التي لا تنسى بانقلاب في موازين القوى: الذي بدأ مع أفيلال ، ثم حميد شباط وصولاً إلى النعم ميارة ، والذي يسجل لكل مرحلة تبدأ بإشارات صغيرة ، خلافات داخلية ، احتقان صامت ، ثم النتيجةالصادمة ، التي يؤكدها التاريخ النقابي الذي يقول شيئاً واحداً: القيادة التي لا تسمع، تُفاجأ.
ورسالة هنا بسيطة لكنها صعبة: عمال النظافة لا يحتاجون من يربّت على كتفهم بتذكرة عمرة ، بل من يمشي معهم في شارع النضال . لا يحتاجون لافتة ضخمة ، بل صوتاً يدافع عنهم. لا يحتاجون قرعة ، بل عدالة.
لأن المصداقية ليست خطابات المصداقية مواقف ، فإما أن يتم تصحيح المسار، أو أن يتحول “حفل القرعة” إلى قرعة على المصداقية نفسها.
والتاريخ النقابي لا يرحم أحداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *