الجديد بريس
يواصل الزجل المغربي، في تحوّلاته المعاصرة، تأكيد حضوره كجنسٍ أدبيّ قادر على استيعاب قضايا الإنسان والواقع، متحرّراً من التصنيفات الضيقة التي حصرتْه طويلاً في خانة “الشعبي”. وفي هذا الأفق، يندرج ديوان «وْلاد العرّام» للشاعر الزجّال حميد تهنية، بوصفه تجربة شعرية لافتة، تمتح من عمق الواقع الاجتماعي، وتُعيد صياغته بلغة دارجة مشحونة بالدلالة والجمال.
منذ العتبة الأولى، يقدّم العنوان نفسه بوصفه مفتاحاً تأويلياً مركزياً. فـ«وْلاد العرّام» ليسوا مجرد شخوص عابرة، بل علامة دالة على فئة اجتماعية مهمّشة، تُدفع إلى أطراف الحياة، خارج دوائر الاعتراف والإنصاف. بهذا المعنى، يتحول العنوان إلى إعلانٍ ضمني عن انحياز الشاعر إلى الهامش، وسعيه إلى منح الصوت لمن لا صوت لهم.
يشتغل الديوان على تمثيل هذا الهامش عبر نصوصٍ تستحضر تفاصيل القهر اليومي: الفقر، البطالة، انغلاق الآفاق، واستفحال مظاهر الفساد. غير أن الشاعر لا يقف عند حدود الرصد، بل يمارس نقداً صريحاً لبنيات الاختلال، كاشفاً عن أعطاب المجتمع من رشوة ومحسوبية وتفاوت طبقي، في لغة تزاوج بين الجرأة والصدق. وهنا تتبدّى وظيفة الزجل كخطاب احتجاجي، يتجاوز التوصيف إلى مساءلة الواقع والدفع نحو تغييره.
على المستوى اللغوي، يبرهن الشاعر على قدرة لافتة في تطويع الدارجة المغربية لتصبح أداة شعرية مكتملة. فالنصوص لا تكتفي بالتعبير المباشر، بل تنفتح على أفق رمزي وإيحائي غني، مستفيدة من رصيد الأمثال الشعبية والحِكم المتوارثة. هذه اللغة، بما تحمله من حرارة وصدق، تُكسب القصائد طابعاً حيوياً، يجعلها قريبة من المتلقي، دون أن تفقد عمقها الفني.
أما من حيث الإيقاع، فإن الديوان ينبض بروح الغناء، حيث تتقاطع أنفاس الزجل مع إيقاعات الملحون والأغنية الشعبية. تتكرّر الأصوات، وتتوازى التراكيب، فتتشكل موسيقى داخلية تمنح النصوص طابعاً إنشادياً، يعزّز أثرها الوجداني. ومع ذلك، لا يخلو هذا الإيقاع من توترٍ خفي، يعكس قلق الذات الشاعرة وهي تواجه واقعاً مأزوماً.
ومن أبرز لحظات الديوان، تلك التي ينكفئ فيها الشاعر على ذاته، خاصة في نصوص الرثاء، حيث يتجلّى الحزن في أقصى درجات صفائه وصدقه. هنا يتحول الخطاب من جماعي إلى فردي، ومن احتجاجي إلى وجداني، لتتكشف أبعاد إنسانية عميقة، تجعل من التجربة الشعرية أكثر شمولاً وتوازناً.
ولا يغيب عن الديوان بعده القيمي، إذ يحضر كدعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار للأخلاق، والعمل، والعلم، بوصفها ركائز للنهوض المجتمعي. في مقابل مظاهر الانحراف، يقدّم الشاعر نموذجاً مضاداً، قوامه المحبة والنزاهة والإيمان، ما يمنح النص