تهركاويت” وفخ الأستاذية الفارغة !

حميد طولست.
ككاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

يبدو أن المصطلح “الهركاوية”الذي قُدّمه حسن الفد في سياق فكري ساخر بمعرض الكتاب ، تحوّل بسرعة إلى صافرة إنذار استدعت “حراس المعبد الافتراضي” في حالة استنفار هستيري، كأن الرجل ضغط على عصبٍ عارٍ لا على فكرة قابلة للنقاش.
ولعلّ أكثر المتضررين من هذه الجرعة الساخرة كان حميد المهداوي، الذي وجد نفسه—دون استدعاء رسمي—داخل قفص الاتهام ، لا لأنه ذكر بالاسم، بل لأن “المقاس” جاء مطابقًا على نحو مقلق ، فخرج الرجل بهجوم أقرب إلى “انتحار تحليلي”، كشف فيه أن ما يُسوّق كخطاب عميق، ليس سوى واجهة هشة لتجارة قائمة على دغدغة الغرائز الجماهيرية.
المفارقة الساخرة أن المهداوي حاول لعب دور “أستاذ الفن”، سائلاً بسذاجة: لماذا لا تضحكوننا على المآسي؟ وكأن الإبداع مطالب بالحصول على ترخيص أخلاقي من مزاجه العام ، ما جعله يسقط في فخ الأستاذية الفارغة، لأن الفن—كما يبدو—ليس منشورًا سياسياً ولا نشرة احتجاجية، بل هو مرآة ، ومن لا تعجبه صورته فيها، فالمشكل ليس في المرآة ،
بل في نفسيته المريضة التي تروم تقزيم الفد إلى “مجرد قارئ سيناريو” ، فيمحاولة البائسة لإخفاء عجزه الواضح عن مجاراة ذكاء فنان فهم مجتمعه جيدًا، ووضع إصبعه على ظاهرة قائمة، لا على أشخاص ،
الغريب أن ما اعتُبر “سبّة”، له جذور أعمق في الفكر الاجتماعي ، الذي سبق لابن خلدون أن تحدث فيه عن “الغوغاء” كظاهرة طبيعية داخل أي مجتمع، بل ورأى أن تأثيرهم قد يفوق تأثير النخب نفسها ، ولم يكن ذلك قدحًا، بل توصيفًا، أما ماركوس أوريليوس، فقد اختصر المسألة بعبارة بليغة: “الغوغاء هم روما” أي أنهم ليسوا استثناءً… بل جزء من المعادلة.
بين هذا وذاك، يبدو أن الأزمة ليست في المصطلح، بل فيمن رأى نفسه فيهن فـ“مول الفز كيقفز”، كما يقول المثل، وحين تتحول السخرية إلى مرآة، يصبح أخطر ما فيها أنها لا تكذب.
أما السؤال الحقيقي، فليس: هل الفد أخطأ؟بل: لماذا شعر البعض أن المقصود هو هو… دون أن يُذكر اسمه؟
وتبقى الطعنة الأكثر طرافة هي أنه: “حين تُهاجم الفكرة فيتحول الرد إلى صراخ، فاعلم أن الفكرة أصابت الهدف !!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *