حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن “أكنري” أو” كرموص النصارة “قرر أخيرًا أن يرفع دعوى قضائية ضد ماضيها السيء،الذي كان الناس يتغنون به في منظوماتهم الشعبية أمثال :”كرموص النصارى كالو غدار… كرموص النصارى يدي لرواح” وربح الدعوة!
سبحان من بدّل الأحوال: من فاكهةٍ كانت تُقطف قبل شروق الشمس على عجل، وتُحمّل في قففٍ متعبة وسطول متشققة فوق ظهور الأحمرة، وتُباع بنداءٍ صادق يهزّ الأزقة: “الهندي والموس من عندي!” إلى نجمةٍ مدللة في رفوف مكيّفة، ترتدي “السولوفان” أفخم من فساتين السهرة، وتحمل اسمًا فرنسيًا أطول من تاريخها: Figue de Barbarie Bio Premium Locale.
نعم، إنها هي نفسها: “أكنري” بالأمازيغية، و”التين الشوكي” بالعربية الفصى، و”الهندية” و”الزعبول” و”كرموص النصارة” بالدارجة، والتي تُعرف أيضًا في بعض المناطق بـ”الكنارية”، و”الدلاح الصحراوي” (مجازًا لا غير)، و”البلدي الحر”، وأحيانًا “فاكهة الفقراء” ، قبل أن تعيد هي تسمية نفسها: “فاكهة محدودي الدخل جدًا!”
يا لها من قفزة طبقية! من خمسة سنتيمات تُرمى بها في يد طفلٍ حافي القدمين، إلى مئة درهم تُؤدى فيها ببطاقة بنكية وعلى ثلاث دفعات! ومن أيدٍ عارية تتحدى شوكها، إلى قفازات طبية تُعاملها كأنها مادة مشعّة!
حتى الشوك، ذاك الذي كان جزءًا من شخصيتها “القروية الصارمة”، قرر أن يلين أو يتوارى كليًا ، ربما بعد دورة تكوينية في “تدبير الصورة الذاتية وتحسين القابلية التسويقية”!
رحم الله زمنًا كنا نأكل فيه “الهندية” واقفين على الرصيف، نضحك من وخز شويكاتها أكثر مما نتألم ، ونشعر أننا ملوك، لا لأننا نملكها، بل لأنها كانت لا تُكلّف شيئًا.
أما اليوم ، فلكي تأكل أكنري ، التين الشوكي ، الهندية والزعبول وكرموص النصارة ،عليك أولًا أن تحجز موعدًا مع راتبك !