محمد جمال نخيلة
تواصل منظمة نساء الأصالة والمعاصرة تنزيل مبادراتها الرامية إلى تعزيز الحضور النسائي داخل المشهد السياسي المحلي، من خلال “قافلة التمكين من أجل منتخبة فاعلة، متواصلة ومؤثرة”، التي حطت رحالها في محطتها الرابعة بمدينة تاونات، في خطوة تعكس الرغبة في إعادة الاعتبار لدور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة، ليس فقط كرقم انتخابي، بل كفاعل أساسي في التنمية وصناعة القرار.
وتأتي هذه القافلة في سياق سياسي ومجتمعي يعرف تزايد النقاش حول محدودية المشاركة النسائية في تدبير الشأن المحلي، رغم المكاسب القانونية والدستورية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فوجود النساء داخل المجالس المنتخبة لم يعد رهيناً بمنطق الكوطا أو التمثيلية الشكلية، بل أصبح مرتبطاً بمدى القدرة على التأثير، والتواصل مع الساكنة، وصياغة حلول حقيقية لمشاكل المواطنين.
واختيار إقليم تاونات لاحتضان هذه المحطة يحمل بدوره دلالات مهمة، بالنظر إلى الخصوصية المجالية والاجتماعية للإقليم، الذي يحتاج إلى نخب سياسية قادرة على الإنصات لقضايا العالم القروي والهشاشة الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بالبنيات التحتية، وتمكين النساء اقتصادياً، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية. وهو ما يجعل من تأهيل المرأة المنتخبة ضرورة تنموية أكثر من كونه مجرد خيار سياسي.
كما أن الرهان الحقيقي لمثل هذه المبادرات لا يكمن فقط في تنظيم اللقاءات التكوينية أو الندوات التواصلية، بل في خلق نخبة نسائية تمتلك أدوات الترافع والتواصل السياسي والتدبير الترابي، وقادرة على تجاوز الصورة النمطية التي ظلت تلاحق العمل السياسي النسائي لعقود. فالمنتخبة اليوم مطالبة بأن تكون فاعلة ميدانياً، حاضرة وسط الساكنة، ومواكبة للتحولات الرقمية وأساليب التواصل الحديثة، بما يعزز الثقة بينها وبين المواطن.
ومن جهة أخرى، تعكس هذه القافلة وعياً متزايداً لدى الأحزاب السياسية بأهمية الاستثمار في العنصر النسائي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث أصبح حضور المرأة معياراً أساسياً لقياس حداثة الأحزاب وقدرتها على تجديد نخبها. غير أن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذا الخطاب إلى ممارسة فعلية داخل المجالس المنتخبة، عبر منح النساء فرصاً حقيقية لتحمل المسؤولية، بعيداً عن منطق التهميش أو الأدوار الثانوية.
إن تمكين المرأة سياسياً لم يعد ترفاً أو شعاراً مناسباتياً، بل أصبح مدخلاً أساسياً لتحقيق تنمية محلية متوازنة ومستدامة. فكلما كانت المرأة حاضرة بقوة داخل دوائر القرار، كلما ارتفعت فرص إنتاج سياسات عمومية أكثر قرباً من انتظارات المجتمع وأكثر حساسية تجاه القضايا الاجتماعية والإنسانية.
وفي ظل التحولات التي يعرفها المغرب، تبدو مثل هذه القوافل السياسية والتكوينية فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة في العمل الحزبي، وإعطاء نفس جديد للمشاركة النسائية، بما يساهم في إفراز نخب محلية قادرة على الجمع بين الكفاءة، والقرب من المواطن، والقدرة على التأثير في مسار التنمية.