قراءة في رسالة الصحفي والناقد الفني الأستاذ سعيد العفاسي إلى فاس

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

ليس النص الذي كتبه الأستاذ سعيد العفاسي مجرد رسالة شوق إلى مدينة، بل هو سيرة وجدانية كاملة، ونصّ اعتراف إنساني طويل، تتداخل فيه المدينة بالأم، والذاكرة بالهوية، والمنفى بالخذلان، حتى يصبح القارئ أمام مرثية ناعمة للعمر الضائع أكثر منه أمام رسالة حنين عادية.
إنه من تلك النصوص التي لا تُقرأ فقط، بل تُعاش، ولذلك لم يكن غريبًا أن تبكيك قبل أن تُكملها، لأن الكاتب نجح في أن يحوّل تجربته الخاصة إلى تجربة إنسانية جماعية، بحيث يجد كل من غادر مدينته الأولى نفسه داخل هذا الاعتراف الطويل.
أول ما يلفت في النص هو أن فاس ليست مدينة بالمعنى الجغرافي، بل كائن حيّ، أمّ كبرى، ذاكرة حاضنة، وهوية أولى. لذلك يخاطبها الكاتب كما يخاطب إنسانًا يخشى فقدان اعترافه به:
“أخاف أن أقف أمامك ذات يوم فلا تعرفينني…”
هذه الجملة المفتاح تختصر جوهر النص كله؛ فالخوف الحقيقي ليس من الغياب، بل من أن يتحول الإنسان، بفعل الزمن والمنافي، إلى شخص لا تتعرف إليه أمكنته الأولى. هنا يتحول الحنين من مجرد رغبة في العودة إلى أزمة وجودية:
هل نظل نحن أنفسنا بعد كل هذا العمر؟
النص قائم على ثنائية شديدة الوجع:
تغيّر الإنسان،
وثبات المدينة في الذاكرة.
فالكاتب يصف جسده كأنه خريطة خراب:
“شاب رأسي… سقطت من فمي أسنان كثيرة… غزت التجاعيد ملامحي…”
لكن فاس في المقابل بقيت في داخله شابة، محفوظة كما هي، ولذلك يبدو اللقاء المرتقب بينهما مخيفًا بقدر ما هو مشتَهى؛ لأنه لقاء بين ذاكرة ثابتة وجسد أنهكه الزمن.
من الناحية الأدبية، النص يشتغل على ما يمكن تسميته بـ”بلاغة الحنين”.
فالكاتب لا يحن إلى الأماكن بوصفها عمرانًا، بل بوصفها خزّانًا للعلاقات الإنسانية:
الأم،
الأب،
الإخوة،
الأصدقاء،
الأزقة،
المقاهي،
الجرائد القديمة،
رائحة “المعقودة”،
أصوات المؤذنين،
الكتب المتروكة،
حتى أسماء الأحياء والأسواق تتحول إلى شخوص حيّة.
وهذا ما يمنح النص صدقه الكبير؛ لأنه لا يستعرض المدينة كدليل سياحي، بل كنسيج روحي.
فالمدن العظيمة في الأدب ليست تلك التي تُوصف، بل تلك التي تُستعاد من الداخل.
كما أن الكاتب يستخدم تقنية “التعداد العاطفي” بكثافة؛ إذ يذكر عشرات الأسماء والأماكن والتفاصيل الصغيرة. وهذه التقنية ليست حشواً، بل تؤدي وظيفة نفسية عميقة: مقاومة النسيان.
كأنه يخشى أن يبتلع الغياب الوجوه والأسماء، فيعيد تثبيتها بالحبر قبل أن تتآكل.
ومن أجمل ما في النص أنه يتجاوز الحنين الفردي إلى تأمل فلسفي في معنى الغربة.
فالغربة هنا ليست فقط ابتعادًا جغرافيًا، بل تآكل بطيء للروح:
“الغربة تأكل الإنسان ببطء، من جسده وروحه أيضًا.”
هذه العبارة تختصر التجربة الوجودية للنص كله.
فالكاتب لا يشتكي من البعد عن مكان، بل من تحوّل الإنسان في المنافي إلى كائن يعيش بنصف روح.
أما الذروة الشعورية للنص فتظهر في ثلاثة مواضع أساسية:
حديثه عن الأم
حيث يبلغ الحنين أقصى درجات الهشاشة الإنسانية.
فالكاتب، رغم كل ثقافته وتجربته، يعود طفلًا يريد فقط أن يسند رأسه إلى كتف أمه.
وهنا ينتصر النص للإنسان البسيط داخل الرجل المنهك.
وقوفه المتخيَّل أمام قبر الأب
وهو من أكثر المقاطع وجعًا ورهافة:
“هل تعرفت على ملامحي يا أبي؟”
السؤال هنا ليس موجّهًا للأب فقط، بل للزمن نفسه.
خوفه على أطفاله من فقدان معنى العائلة والانتماء
وهذا بُعد بالغ العمق، لأن الحنين لم يعد متعلقًا بماضيه وحده، بل بمستقبل أبنائه أيضًا.
إنه يخشى أن ينقطع خيط الذاكرة بين الأجيال.
أسلوبيًا، النص ينتمي إلى النثر الوجداني الشعري، حيث الجمل طويلة متدفقة، تعتمد الإيقاع الداخلي أكثر من البناء السردي التقليدي.
وتظهر فيه بوضوح خصائص:
التكرار العاطفي (“أريد…”)،
الاستفهام الوجودي،
الصور الحسية،
تشخيص المدينة،
المزج بين الواقعي والرمزي.
ولعل تكرار “أريد” تحديدًا يكشف أن النص كله مبني على الحرمان؛ فالرغبة هنا ليست تحقيقًا، بل محاولة إنقاذ ما تبقى من الروح.
أما فاس نفسها، فتظهر في النص بوصفها “الفردوس الأول”.
ليست مدينة كاملة أو مثالية، لكنها المكان الذي احتفظ بالنسخة الأصلية من الكاتب قبل أن تشوّهها المنافي.
ولهذا يقول ضمنيًا:
العودة إلى فاس ليست سفرًا إلى مدينة، بل محاولة للعودة إلى النفس الأولى.
وفي النهاية، أجمل ما في النص أنه لا يقدّم الحنين بوصفه ضعفًا، بل بوصفه وفاءً، فالكاتب، رغم كل ما أخذه العمر منه، ما زال يحتفظ بداخله بمدينة لم يستطع الخراب أن ينتزعها منه: “بقيتِ في داخلي مثل صلاة لا تنقطع، ومثل جرح جميل لا يندمل.”
وهذه من أصدق التعريفات الأدبية للحب الحقيقي للأماكن ، والتي أعتقد أنها كانت سرّ تأثير النص علي وفي ، وربما لأنني لم أقرأه كقارئ، بل كمن يرى نفسه داخله ، كما كل من عاش تجربة الفقد المكاني، أو ابتعد عن مدينته، أو شعر أن العمر سرق منه نسخته القديمة، فوجد نفسه في هذه الرسالة ، التي ليست رسالة سعيد العفاسي إلى فاس فقط، بل رسالة كل منفيّ – ولو كان داخل وطنه – إلى مكانه الأول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *