المغرب بين غلاء المعيشة والبطالة والكراء المرتفع.. هل أصبح حلم العيش الكريم بعيد المنال؟

بدر شاشا 

لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة في المغرب مجرد شكوى تتردد في المقاهي أو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح واقعًا يعيشه ملايين المواطنين يومًا بعد يوم. فارتفاع أسعار الكراء، والمواد الغذائية، وفواتير الماء والكهرباء، والنقل، والتعليم، والعلاج، جعل الكثير من الأسر تعيش تحت ضغط اقتصادي ونفسي متواصل.

اليوم، في العديد من المدن المغربية، أصبح كراء شقة متوسطة يتجاوز ألفي درهم شهريًا، وهو مبلغ يستهلك جزءًا كبيرًا من دخل آلاف الأسر. وبعد أداء الكراء، تبدأ رحلة البحث عن المال لتغطية بقية الاحتياجات الأساسية، في وقت تستمر فيه أسعار العديد من السلع والخدمات في الارتفاع.

ولا تتوقف الأعباء عند هذا الحد، فمع كل دخول مدرسي ترتفع تكاليف الكتب واللوازم والملابس، ويأتي شهر رمضان بزيادة في نفقات الأسر، ثم عيد الأضحى بما يحمله من أعباء مالية واجتماعية، ليجد المواطن نفسه في سباق دائم مع المصاريف دون أن يتمكن من الادخار أو تحسين مستوى معيشته.

في المقابل، لا تزال البطالة، وخاصة بين الشباب وحاملي الشهادات، من أبرز التحديات التي تواجه المغرب. فالكثير من الشباب يقضون سنوات طويلة في البحث عن فرصة عمل مستقرة، بينما يضطر آخرون إلى قبول وظائف هشة أو منخفضة الأجر لا تمكنهم من بناء مستقبلهم.

ويؤثر هذا الوضع الاقتصادي أيضًا على الحياة الأسرية والاجتماعية. فارتفاع تكاليف الزواج والسكن، وضعف القدرة الشرائية، وعدم الاستقرار المهني، كلها عوامل تجعل كثيرًا من الشباب يؤجلون الزواج لسنوات، وهو ما يساهم في ارتفاع سن الزواج. كما أن الضغوط الاقتصادية قد تؤثر في استقرار بعض الأسر، إلى جانب عوامل اجتماعية وشخصية أخرى، فتؤدي في بعض الحالات إلى زيادة النزاعات الأسرية وحالات الطلاق.

إن الفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو شعور بالعجز أمام متطلبات الحياة اليومية. عندما يعجز الأب عن توفير احتياجات أسرته، أو تعجز الأم عن شراء مستلزمات أطفالها، أو يفقد الشاب الأمل في الحصول على عمل وسكن، فإن ذلك ينعكس على المجتمع بأكمله.

ويحتاج المغرب إلى مواصلة العمل على خلق فرص شغل مستدامة، ودعم الاستثمار المنتج، وتوسيع برامج السكن الميسر، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ومراقبة الأسواق للحد من الممارسات التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، بما يساهم في تحسين القدرة الشرائية للمواطنين.

لقد حقق المغرب إنجازات مهمة في مجالات متعددة، لكن التحدي الحقيقي يبقى هو أن يشعر المواطن بأن التنمية تنعكس على حياته اليومية، وأن العمل يوفر له دخلاً يكفيه للعيش بكرامة، وأن السكن والتعليم والعلاج ليست أحلامًا بعيدة المنال.

ويبقى السؤال الذي يردده الكثير من المغاربة: كيف يمكن لشاب عاطل عن العمل أن يؤسس أسرة؟ وكيف يمكن لأسرة محدودة الدخل أن تواجه كراءً مرتفعًا، وغلاءً متواصلاً، ومصاريف لا تتوقف؟ إن بناء مجتمع قوي يبدأ بتعزيز كرامة المواطن، لأن الإنسان هو أساس كل تنمية، واستقرار الأسرة هو أساس استقرار الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *