بين “غصة غيثة” و”المدن الفلكية”… ؟

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في المغرب، لا تسقط العمارات فقط ، بل تسقط معها اللغة أيضاً ، في تدوينتي كل من الأستاذين ، الأستاذ “كمال شقوري”و الأستاذ “عبد الحي الرايس” التي جادت بها قريحتهما ومن باب غيرتهما على الوطن التي لا تناقش، رغم المفارقة ساخرة بين “غُصص الوجدان” عند الأستاذ كمال شقوري و”هندسة الأحلام الفلكية” عند الأستاذ عبد الحي الرايس، مع تعرية الميل المغربي المزمن إلى تحويل الكوارث إلى بلاغات عاطفية أو مشاريع يوتوبية، بعد فوات الأوان ، وبعد دفن المغربي تحت ركام بناية تنهار في قلب الليل، وخروج البلاغات الرسمية بعبارة: “تم فتح تحقيق في الموضوع”، ويخرج بعض النشطاء والإعلاميين بقلوب “مثقلة بالغصص”، بينما يخرج بعض الحالمين الحضريين بتصاميم “مدن فلكية خضراء” تكاد تحتاج إلى وكالة “ناسا” أكثر مما تحتاج إلى وزارة الإسكان.
وهكذا، بين الغصة والفانتازيا، يُدفن المواطن المغربي تحت الردم مرتين: مرة بالإسمنت المغشوش، ومرة بالكلام المغشوش.
الأستاذ كمال شقوري، مشكوراً، قضى 12 ساعة بعين نقبي، وعاد إلينا بقلب يشبه “طنجرة ضغط وجدانية”، مليئاً بغصة على غيثة، وغصة على عصام، وغصة على السرغيني، وغصة على الطفل إياد، وغصة على المسن القادم من مراكش… حتى خُيّل للقارئ أن حي عين النقبي لم يعد حياً منكوباً، بل قصيدة حزينة لنزار قباني وهو يتجول وسط الأنقاض.
تدوينة مؤثرة إنسانياً، لا شك ، لكن المشكل أن العمارات لا تنهار بسبب نقص العاطفة ، والخرسانة لا تسقط لأن المسؤولين لم يبكوا بما فيه الكفاية ، والحديد لا يصدأ لأن الصحفيين لم يشعروا “بغصة لا توصف”.
المغاربة لا يحتاجون فقط إلى من يحزن عليهم ، بل إلى من يشرح لهم: كيف تتحول “رخصة السكن” إلى شهادة دفن مؤجلة؟ كيف تمر عمارة مهددة بالسقوط عبر عشرات المكاتب والتوقيعات والأختام دون أن ينتبه أحد؟ كيف تصبح “شهادة المطابقة” مجرد شهادة مطابقة للفساد؟
أما الأستاذ عبد الحي الرايس، فقد أخذنا مباشرة من حي عين النقبي إلى كوكب آخر ، الرجل لم يتوقف عند مسؤولية المنعش العقاري، ولا عند مهندس المراقبة، ولا عند الجماعة، ولا عند أعوان السلطة، ولا حتى عند ثقافة “دهن السير يسير”.
لا ، الرجل فتح لنا أبواب المستقبل على “مدن فلكية خضراء” تتلألأ بالجمال، حيث النقل سلس، والخدمات قريبة، والأخلاق تتحسن تلقائياً بمجرد تحسين الإسمنت.
وكأن المغربي الذي يسكن اليوم في “براكة معلقة فوق براكة”، يحتاج إلى “مدينة فلكية”، لا إلى جدار لا يسقط فوق رأسه أثناء النوم.
مع الأسسف الشديد ، أنه في كل كارثة عندنا، يظهر هذا الانفصام العجيب: فريق يبكي الضحايا حتى يكاد يطلب لهم بطاقة “وفاة عاطفية”،
وفريق آخر ،يحلق مباشرة نحو مشاريع حضارية تشبه عروض شركات الهندسة في معرض دبي الدولي.
أما السؤال الحقيقي، فيظل يتيماً تحت الركام: من وقّع؟
من راقب؟ من سكت؟ من استفاد؟ ومن سيُحاسَب؟
لأن انهيار عمارة ليس “قضاءً عمرانياً وقدراً إسمنتياً” ، بل هو الغالب الأعم نتيجة زواج غير شرعي بين: الفساد، والتقصير، والرشوة،
و”خليها تدوز”.
نحن في بلد يستطيع فيه مواطن أن يبني طابقاً كاملاً ليلاً،
ويستيقظ صباحاً ليجد الكهرباء والماء قد وصلا إليه قبل أن تصل لجنة المراقبة.
بلدٌ تتحول فيه بعض الأحياء إلى مختبرات مفتوحة لتجريب:
كم طابقاً يمكن للإسمنت الرديء أن يتحمل قبل أن ينهار فوق الفقراء؟ ثم بعد الكارثة، يبدأ العرض المغربي الكبير: سيارات إسعاف، بث مباشر، دموع، بلاغات، وعود بالمحاسبة، ثم يعود الجميع إلى بيوتهم المهددة ، إلى أن يحين موعد “العمارة 35” وبعدها “العمارة 36”.
المشكل في المغرب ليس فقط في البنيان الآيل للسقوط،
بل في العقل الإداري الآيل للسقوط أيضاً ، ذلك العقل الذي لا يتحرك إلا بعد الموت، ولا يغضب إلا أمام الكاميرا، ولا يكتشف الخطر إلا بعد استخراج الجثث.
أما المواطن البسيط، فقد تأقلم مع كل شيء: مع النقل المهترئ، والمستشفى المنهار، والتعليم المعطوب، ولم يبقَ له سوى أن يتأقلم أيضاً مع احتمال أن يموت نائماً تحت سقف بيته.
ولهذا لم يعد شعار بعض الأحياء: “السكن الاقتصادي” ، بل صار: “سكن دخله مفقوداً ، والخارج منه مولوُد له عمر جديد.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *