بيلماون” العدو الخطير الذي يهزم الجهل بجلد الكبش!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

كل سنة، ومع اقتراب عيد الأضحى، يدخل المغرب موسماً جديداً لا علاقة له بأسعار الأضاحي ولا بغلاء المعيشة ولا بأزمات التعليم والصحة والتشغيل، بل موسماً أكثر أهمية وخطورة: موسم مطاردة “بيلماون” أو جلد الكبش الذي أصبح البعض الناس يخافون منه أكثر مما يخافون من الفساد والجهل والتخلف الحقيقي.
فما إن يجف دم الأضحية، حتى تستنفر بعض العقول كل طاقاتها الفكرية والعلمية والفقهية والتاريخية لمحاصرة ذلك الكائن الأسطوري الذي تحول عندهم من طقس احتفالي إلى “خطر استراتيجي” يهدد الأمة لمجرد إرتدائه لجلد كبش ويجوب الأزقة مبتسماً للأطفال ومزعجاً للمتجهمين.
الغريب أن “بيلماون” لم ينجح عبر قرون طويلة في إسقاط دولة، ولا في إشعال حرب أهلية، ولا في نهب المال العام، ولا في تزوير الانتخابات، ولا في إفساد التعليم، لكنه مع ذلك يظل في نظر البعض أخطر من كل هذه الكوارث مجتمعة.
وكأن المغرب لم يعد ينقصه سوى القضاء على بوجلود حتى يتحول فجأة إلى جنة أرضية.
كل سنة تتكرر المسرحية نفسها ، يخرج “بيلماون” من جلد الكبش ، ويخرج خصومه من جلودهم.، ويتحول رجل يرتدي فروة وقرنين إلى قضية عقائدية كبرى، ويصبح التنكر في الشارع أخطر من التنكر في السياسة، ويصبح القناع المصنوع من جلد الأضحية أكثر إثارة للغضب من الأقنعة التي يرتديها بعض المنافقين طوال السنة.
ولأننا شعب يحب النقاش، يتحول الموضوع سريعاً إلى معركة كونية بين الخير والشر، وبين الإيمان والكفر، وبين الجنة والنار، وكأن مصير البشرية أصبح معلقاً بقرنين فوق رأس رجل يرقص على إيقاع الطبول.
والمثير للسخرية أن كثيراً ممن يهاجمون “بيلماون” لا يهاجمونه باعتباره مجرد احتفال شعبي، بل باعتباره مؤامرة كونية تهدد الإسلام نفسه ، وكأن الإسلام الذي صمد أمام الإمبراطوريات والحروب والصراعات الفكرية عبر أربعة عشر قرناً أصبح فجأة مهدداً من طرف جلد كبش جاف.
بل إن بعضهم يتحدث عن “بيلماون” كما لو كان مشروعاً نووياً سرياً ، يتحدثون عنه بجدية تجعل المستمع يظن أن الرجل الذي يركض خلف الأطفال في الأزقة يملك صواريخ باليستية ومنظومة دفاع جوي متطورة ، والحال أن أقصى ما يملكه بوجلود هو قرنان وبعض الصوف والكثير من الضحك.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في “بيلماون” ، المشكلة في تلك النظرة التي تريد محاكمة كل شيء بمنطق واحد: حلال أم حرام؟
رقصة؟ حلال أم حرام؟ ، أغنية؟ حلال أم حرام؟ ، مسرحية؟ حلال أم حرام؟ ، مهرجان؟ حلال أم حرام؟ ، قناع؟ حلال أم حرام؟
وكأن الثقافة البشرية كلها عبارة عن سؤال فقهي محدود الاختيارات: حلال أم حرام؟ !!!
وبسب هذا المنطق يجب إغلاق المتاحف والمسارح ودور السينما والمكتبات، وتحويل الحياة كلها إلى نشرة تعليمات طويلة ومملة.
والأدهى أن هذا المنطق لا يطبق إلا على بعض المظاهر الثقافية دون غيرها ، فحين يتعلق الأمر بموروث أمازيغي، تتحول محاكم التفتيش الفكرية إلى حالة استنفار قصوى ، أما حين يتعلق الأمر بعادات أخرى، يصبح الجميع فجأة -وفي انتقائية عجيبة- دعاة تسامح وحوار واحترام الاختلاف.
وتبقى الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن “بيلماون” ليس مجرد شخص يرتدي جلد كبش ، وإنه ذاكرة جماعية ، وصفحة من كتاب طويل اسمه المغرب ، الذي لم يُبنَ فقط بالفقهاء والعلماء والسلاطين ، وبناه أيضاً الفلاحون والرعاة والشعراء والرواة والموسيقيون والحرفيون.
بناه أحواش وأحيدوس ، وبناه إيض يناير ، وبناه الموروث الشفهي ، وبنته تلك الطقوس الشعبية التي حملت فرح الناس وأحزانهم عبر القرون.
ثم إن المفارقة الكبرى تكمن في أن العالم كله يتباهى بكرنفالاته وأقنعته التاريخية ، كالتي في البرازيل مهرجانات عملاقة ، وفي إيطاليا كرنفال البندقية ، وفي فرنسا كرنفال نيس ، وفي بلغاريا طقوس تنكر عمرها قرون.
وهناك دول تصرف الملايين للترويج لتراثها الشعبي وجعله رافعة اقتصادية وسياحية وثقافية.
أما نحن فما زلنا – والبشرية وصلت إلى المريخ – نختلف حول مشروعية الضحك ، ونناقش ما إذا كان جلد الكبش يشكل خطراً على الأمن الروحي للأمة.
ولعل أكثر ما يثير الشفقة أن من المعقدين من لا يستطيع رؤية الفرح دون أن يشعروا بالانزعاج، يصابون بحساسية موسمية تجاه البهجة ، وترتفعت لديهم نسبة القلق ، كلما رأوا أطفالاً يضحكون ، وشعروا بأن الحضارة على وشك الانهيار ، كلما شاهدوا الناس يحتفلون.
إنهم يعتبرون العبوس فضيلة، والكآبة منهج حياة، والفرح مشروعاً مشبوهاً يحتاج إلى تحقيق قضائي.
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تضحك أطول عمراً من الشعوب التي تتقن الصراخ فقط.
وأن الثقافة ليست عدواً للدين.
وأن الهوية ليست نقيض الإيمان.
وأن الاحتفال بالحياة لا يعني التمرد على العقيدة.
لقد عاش المغاربة قروناً وهم يجمعون بين المسجد والساحة، بين الدعاء والرقص، بين العبادة والفرجة، دون أن يشعر أحد بوجود تناقض وجودي يستدعي إعلان حالة الطوارئ.
كان الفقيه يؤدي الصلاة مساءً، ثم يجلس مع أبناء قريته ليستمع إلى أحيدوس أو أحواش ، ولم يكن أحد يرى في ذلك نهاية العالم.
أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع الطبل وكأنه سلاح دمار شامل.
في النهاية، سيبقى بيلماون ، ليس لأن الجميع يحبه ، وليس لأن الجميع يوافق عليه ، بل لأن التراث لا يعيش بإجماع الناس عليه ، بل يعيش لأنه جزء من ذاكرة المجتمع ، ولأن الشعوب التي تتخلى عن ذاكرتها طواعية، تكتشف متأخرة أنها تخلت أيضاً عن جزء من روحها.
سيبقى بيلماون يركض خلف الأطفال ، وسيبقى بعض الكبار المتخلفين يركضون خلف بيلماون ، والفرق الوحيد أن الأطفال يضحكون أثناء المطاردة، بينما مطاردوه لا يضحكون أبداً.
تذكير: لي عودة لموضوع “بيلماون” لكن في اتجاه سياسي ساخر يربط بين الهجوم على “بيلماون” والهجوم على التنوع الثقافي المغربي عموماً، مع جرعة أكبر والنقد الاجتماعي المصحوب بنغمة من السخرية اللاذعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *