المندوبية السامية للتخطيط: من دار الكفر الإحصائي إلى قبلة المجاهدين انتخابياً!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

 

في السياسة المغربية، تقع أحياناً معجزات تستحق أن تُدرَّس في كليات العلوم أكثر مما تُدرَّس في كليات العلوم السياسية. ومن بين هذه المعجزات النادرة، تلك التي شهدناها مؤخراً مع بعض قادة حزب العدالة والتنمية الذين اكتشفوا فجأة أن المندوبية السامية للتخطيط ليست مؤسسة معادية للوطن، ولا معملاً لإنتاج المؤامرات، ولا مكتباً لتوزيع الأرقام المسمومة، بل صارت بين ليلة وضحاها مرجعاً وطنياً موثوقاً، ومصدراً مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!
سبحان مبدل الأحوال!
فالمندوبية التي كانت، طيلة عشر سنوات من حكم البيجيدي، أشبه بـ”الابن العاق” الذي لا ينطق إلا بما يزعج الوزراء، تحولت اليوم إلى “الابن البار” الذي لا يقول إلا الحق المبين.
لقد كان مجرد صدور تقرير من المندوبية كفيلاً بإعلان حالة استنفار داخل بعض الوزارات. وكانت أرقامها تُستقبل كما تُستقبل نشرات الإنذار بالعواصف والزلازل. وما إن تكشف المندوبية ارتفاع البطالة أو اتساع رقعة الفقر أو تراجع مؤشرات التنمية، حتى تنطلق حملات التشكيك والتخوين والاتهام، وكأن الحليمي كان يدير خلية سرية لتقويض الحكومة بدل إدارة مؤسسة دستورية للإحصاء.
أما الوزراء، فقد أبدعوا في فنون مقاومة الأرقام الرسمية.
فهذا وزير يطعن في خرائط الفقر وكأنها خرائط استعمارية مرسومة في مختبرات أجنبية، وذاك وزير يرفض الاعتراف بإحصائيات البطالة وكأن العاطلين عن العمل مجرد إشاعة موسمية، وثالثة تضرب عرض الحائط بأرقام العنف ضد النساء وتقرر إنتاج أرقام منزلية على المقاس، بينما كان آخرون يتعاملون مع تقارير المندوبية كما يتعامل الطفل المشاغب مع كشف نقطه الدراسية: يمزقها أولاً ثم يعلن أنها غير دقيقة!
وخلال تلك السنوات العشر، تعرض أحمد الحليمي لما يشبه “التقريع الوطني الممنهج”. فكلما أصدر تقريراً لا يعجب الحكومة، تحولت المندوبية إلى خصم سياسي، وتحولت الأرقام إلى مؤامرة، وتحول الإحصاء إلى نشاط مشبوه يستوجب التحقيق.
لكن ما أروع السياسة عندما تقرر أن تكتب الكوميديا بنفسها!
فبمجرد انتقال الحزب إلى مقاعد المعارضة، حدثت المعجزة الكبرى. وإذا بالمندوبية السامية للتخطيط تستعيد فجأة فضائلها المفقودة. وإذا بالأرقام نفسها تكتسب مصداقية خارقة. وإذا بالتقارير التي كانت تُرمى بالأمس في سلال المهملات تصبح اليوم تتصدر البلاغات والندوات والتدوينات والخطب.
بل إن بعض المتابعين كادوا يعتقدون أن هناك مندوبية جديدة تأسست مؤخراً، وأن المؤسسة الحالية لا علاقة لها بتلك التي قضى الوزراء سنوات طويلة في جلدها واتهامها.
والحقيقة أنه لا شيئاً جوهرياً تغير ، لم تتغير منهجيات الإحصاء ، ولم تتغير قواعد جمع المعطيات ، ولم تتغير فلسفة المؤسسة ، ولم تتغير طبيعة التقارير.
والذي تغير فقط هو الموقع الجغرافي للأرقام بين المعارضة والحكومة.
فالأرقام نفسها التي كانت تكفر عندما تُحرج الحكومة، تتحول إلى مؤمنة وصادقة عندما تُحرج الخصوم!
إنه نوع جديد من الإحصاء السياسي يمكن تلخيصه في قاعدة علمية مبتكرة: “إذا خدمتنا الأرقام فهي الحقيقة المطلقة، وإذا أزعجتنا فهي مجرد تقديرات مشكوك فيها.”
أما المواطن، المسكين، فيتابع هذا التحول البهلواني وهو يتساءل: هل تغيرت المندوبية أم تغيرت شهيّة الوصول إلى السلطة؟
وفي انتظار الجواب، لا نملك إلا أن نردد بخشوع: “سبحان مبدل الأحوال ،
وسبحان الذي جعل بعض من كانوا يرون في تقارير المندوبية خطراً على الاستقرار، يرون فيها اليوم طوق النجاة الانتخابي.
وسبحان من جعل من “الذيب الحرام” بالأمس “لذيب حلال” اليوم، ما دام الطريق إلى الصناديق يمر هذه المرة عبر بوابة الأرقام نفسها التي كانوا بالأمس يطاردونها بالعصي السياسية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *