الجديد بريس
أثارت قضية مقتل الشاب ياسين، سائق النقل عبر التطبيقات الذكية، موجة واسعة من الحزن والاستنكار، ليس فقط بسبب النهاية المأساوية التي تعرض لها، ولكن أيضاً بسبب طبيعة المعطيات المتداولة حول القضية، والتي تنتظر بطبيعة الحال ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية والأحكام القضائية المختصة.
فإذا ما أكدت الأبحاث الجارية صحة ما يتم تداوله، فإن الأمر يتجاوز حدود جريمة قتل عادية إلى نموذج مقلق يعكس تحولات خطيرة في بعض أشكال السلوك الإجرامي، حيث لم يعد الأمر مرتبطاً بلحظة غضب أو خلاف عابر، بل بات يتعلق – في بعض الحالات – بأفعال يشتبه في أنها تعتمد على الاستدراج والتخطيط المسبق ومحاولة طمس معالم الجريمة وإخفاء آثارها.
هذه الوقائع الصادمة تفرض على المجتمع طرح العديد من التساؤلات حول الأسباب والدوافع التي قد تدفع بعض الأشخاص إلى ارتكاب أفعال بهذا المستوى من القسوة، وحول التحولات القيمية والأخلاقية التي أصبحت تفرز بين الفينة والأخرى سلوكات بعيدة عن كل معاني الرحمة والإنسانية.
ويزداد وقع الصدمة عندما يتعلق الأمر بشاب كان يسعى، مثل آلاف الشباب المغاربة، إلى كسب قوته من عمل شريف وبناء مستقبله بهدوء واستقرار. فوفاة ياسين بهذه الطريقة المأساوية أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول قيمة الحياة الإنسانية ومدى هشاشتها أمام بعض السلوكات الإجرامية التي لا تعترف بحرمة النفس البشرية.
ومن بين أكثر الجوانب إثارة للقلق في مثل هذه القضايا، أن بعض الجرائم أصبحت تحمل مؤشرات على تصاعد مستويات العنف، وهو ما يستوجب انخراطاً جماعياً من مختلف المؤسسات التربوية والاجتماعية والثقافية من أجل تعزيز قيم المواطنة والتسامح واحترام الحق في الحياة.
وفي المقابل، يبقى من الضروري التأكيد على مبدأ أساسي يتمثل في احترام قرينة البراءة وعدم استباق نتائج التحقيق أو الأحكام القضائية، باعتبار أن القضاء وحده هو الجهة المخول لها تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية.
إن التحدي الحقيقي الذي تكشفه مثل هذه الوقائع لا يقتصر على الجريمة في حد ذاتها، بل يمتد إلى ما تتركه من رسائل مقلقة حول انتشار بعض مظاهر العنف وتراجع الحس الأخلاقي لدى فئات محدودة من المجتمع، إضافة إلى التأثيرات السلبية لبعض المضامين التي تساهم في تطبيع العنف وتقديمه وكأنه سلوك عادي أو مقبول.
رحم الله الشاب ياسين، وألهم أسرته وذويه الصبر والسلوان، وكشف الحقيقة كاملة للرأي العام، حتى ينال كل من يثبت تورطه جزاءه وفق القانون. فاستقرار المجتمعات لا يقاس فقط بما تحققه من تنمية ومشاريع، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان وصون حقه في الحياة والأمن والكرامة.