حميد طولست .
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
مقدمة وتقديم خارج النص:
في المغرب، لا تموت المفاهيم الشعبية، بل تتطور وتترقى في المناصب. فبعد “التبلارجيت” التي تحدثنا عنها سابقاً باعتبارها فناً راقياً في تبرئة من وقّع ثم ادّعى أنه لم يوقّع، ومن قرر ثم أقسم أنه لم يقرر، نكتشف اليوم نسخة أكثر حداثة وتطوراً: “التبلارجيت البرلمانية”، وهي حالة نادرة تجعل الإنسان يرفض التحقيق قبل أن يعرف نتائج التحقيق، ويعارض المحاسبة قبل أن يتأكد من وجود ما يستوجب المحاسبة.
يقول المثل المغربي: “جا برج يبوس ولدو عماه” والذي أصبح في السياسية الحديثة: “جا البرلمان يحقق فالعما شافو”.
ففي واقعة تستحق دخول موسوعة غرائب المؤسسات، قرر 83 مستشاراً إسقاط مقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول 2800 مليار سنتيم من الأموال العمومية المخصصة لدعم قطاع المواشي.
والعجيب في الأمر أن أحداً لم يطالب بإدانة أحد، ولا بسجن أحد، ولا حتى بمصادرة قطيع من الغنم أو البقر. كل ما طُلب هو التحقيق.
لكن يبدو أن التحقيق نفسه أصبح أخطر من الجريمة المحتملة.
في كل بقاع الأرض، عندما تحوم الشبهات حول تدبير مليارات من المال العام، يكون السؤال الطبيعي هو: “من المستفيد؟ وكيف صُرفت الأموال؟ وما هي النتائج؟”
أما عندنا فقد أصبح السؤال هو: “ومن قال لكم أن تحققوا أصلاً؟”
وكأن لجنة تقصي الحقائق تحولت إلى سلاح دمار شامل، أو إلى فيروس سياسي يجب الحجر عليه قبل أن يصيب بعض المصالح الحساسة بالحساسية المفرطة.
الطريف أن المواطن البسيط عندما يطلب قرضاً بنكياً بمبلغ هزيل، يجد نفسه مطالباً بتقديم وثائق تثبت لون حذائه يوم التخرج، وشهادة تثبت أن جدته لم تكن مدينة للبنك ققبل سنة1800.
أما عندما يتعلق الأمر بـ2800 مليار سنتيم من المال العام، فإن السؤال عن مصيرها يصبح نوعاً من قلة الأدب السياسي ، تبعا لسياسة “عفا الله لما سلف” التي انتهجها البعض.
بل إن بعض المدافعين عن رفض التحقيق يوحون وكأن المطالبة بالمحاسبة مؤامرة كونية تستهدف استقرار القطيع الوطني.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كان كل شيء سليماً، فلماذا الخوف من التحقيق؟
وإذا كانت الأموال قد صرفت وفق القانون، فلماذا الرعب من كشف التفاصيل؟
وإذا كانت النتائج إيجابية، فلماذا لا يتم عرضها على المواطنين بكل فخر واعتزاز؟
إن “تبلارجيت البرلمانية” لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن طريقة تمنع الحقيقة من الوصول إلى باب المؤسسة أصلاً.
فهي لا تقول: “لقد تحققنا ولم نجد شيئاً”.
بل تقول: “لن نحقق حتى لا نجد شيئاً”.
وهذا تطور فكري يستحق براءة اختراع مغربية خالصة.
أما المواطن الذي يتابع أسعار اللحوم وهي ترتفع كأنها تستعد للالتحاق بالأقمار الصناعية، فلا يملك إلا أن يتساءل أين ذهبت تلك المليارات التي قيل إنها خُصصت لدعم القطاع.
لكن يبدو أن هذا السؤال مزعج أكثر من الغلاء نفسه.
لقد كانت الغرفة الثانية تُقدم دائماً باعتبارها فضاءً للحكمة والتوازن والتبصر ، غير أن بعض الممارسات تجعل المواطن يتساءل إن كانت وظيفتها هي مراقبة الحكومة أم مراقبة أي محاولة لمراقبة الحكومة.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم الذي تقدمه لنا “تبلارجيت البرلمانية” هو أن بعض الناس لا يخشون نتائج التحقيق بقدر ما يخشون فتح باب التحقيق نفسه.
لأن الحقيقة، في نظرهم، مثل الشمس ، إذا لم تفتح النافذة فلن تدخل إلى الغرفة أبداً ، وإذا فتحت النافذة فنور الشمس يفضح المخفيات.
وهنا أتوقف عند هذا الحد الذي يحافظ على الطابع الساخر والنقدي لفكرة “رفض التحقيق والمساءلة السياسية المؤسساتية” ويبتعد عن توجيه أي اتهام مباشرة لأي شخص أو اشخاص بعينهم.