محمد جمال نخيلة
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تعود إلى الواجهة ظاهرة طالما أفسدت المسار الديمقراطي وأثرت سلباً على نزاهة الاختيار الحر للمواطنين، ويتعلق الأمر بتحركات سماسرة الانتخابات الذين ينشطون في الخفاء والعلن من أجل توجيه الناخبين والتأثير على قراراتهم خدمة لمصالح انتخابية ضيقة.
وتعتمد هذه الفئة على مجموعة من الأساليب التي تتراوح بين استغلال العلاقات الاجتماعية والقرابة العائلية، وصولاً إلى تقديم الوعود أو الامتيازات المؤقتة مقابل كسب التأييد الانتخابي. وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما يتحول بعض الأشخاص إلى وسطاء بين المرشحين والناخبين، فيصبح صوت المواطن مجرد ورقة للمساومة بدل أن يكون تعبيراً حراً عن القناعة والاختيار المسؤول.
والأكثر إثارة للانتباه هو انخراط بعض الجمعيات المدنية في هذه التحركات بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث يتم توظيف أنشطة اجتماعية أو خيرية أو رياضية لخدمة أجندات انتخابية مبكرة، وهو ما يفرغ العمل الجمعوي من رسالته النبيلة ويجعله أداة لخدمة مصالح شخصية أو حزبية. والمفارقة أن بعض هذه الجمعيات التي تساهم في صناعة المشهد الانتخابي المشوه تعود لاحقاً إلى إصدار بيانات وشكاوى تنتقد الأوضاع وتشتكي من غياب التنمية أو ضعف تمثيلية المنتخبين، رغم أنها كانت جزءاً من عملية توجيه الناخبين والتأثير على اختياراتهم.
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق السلطات المكلفة بمراقبة نزاهة الانتخابات، بل تمتد أيضاً إلى المواطن الذي أصبح مطالباً أكثر من أي وقت مضى بالتحلي بالوعي السياسي وعدم الانجرار وراء الوعود المؤقتة أو الضغوط الاجتماعية التي تمارسها بعض الجهات.
فالديمقراطية الحقيقية لا تبنى بشراء الولاءات أو استغلال الحاجة الاجتماعية، وإنما تقوم على البرامج الجادة والكفاءات القادرة على خدمة الصالح العام. كما أن المجتمع المدني مطالب بالالتزام بالحياد والاستقلالية والابتعاد عن كل أشكال التوظيف الانتخابي، حتى يحافظ على مصداقيته ودوره الأساسي في التأطير والتوعية والدفاع عن قضايا المواطنين.
وفي النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو بناء ثقافة انتخابية قائمة على الوعي والمسؤولية، لأن مستقبل الجماعات والجهات لا يصنعه السماسرة ولا أصحاب المصالح، بل يصنعه المواطن الحر الذي يختار ممثليه بناء على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الوفاء بالالتزامات.