حميد طولست.
أثار أحد القراء تعليقًا لافتًا على مقالتي “هل الموت نهاية أم بداية؟” إذ كتب:”ليس السؤال الحقيقي هو: هل هناك حياة أخرى بعد الموت؟ بل السؤال هو: هل كنت على قيد الحياة قبل الموت؟”. في البداية بدا لي التعليق وكأنه مجرد لعبة لغوية أو مفارقة فلسفية، لكن كلما أعدت قراءته اكتشفت أنه يحمل سؤالًا بالغ العمق. فنحن نفترض عادة أننا أحياء لأن قلوبنا تنبض، وأجسادنا تتحرك، ونتنفس ونأكل ونعمل ونتحدث ، لكن هل الحياة مجرد وظائف بيولوجية؟ هنا يبدأ المعنى الحقيقي للسؤال :فقد يكون الإنسان على قيد الحياة من الناحية البيولوجية، لكنه ميت من الناحية الوجودية. فكم من شخص يستيقظ كل صباح، ويكرر نفس الأفعال، ويعيش نفس الأيام، دون أن يشعر بمعنى لما يفعل؟ وكم من إنسان قضى عمره كله يطارد المال أو المنصب أو الشهرة، ثم اكتشف في نهاية الطريق أنه لم يعش الحياة التي كان يريدها، بل عاش الحياة التي فرضتها عليه الظروف أو توقعها منه الآخرون؟ ومع هذا المعنى يصبح السؤال مشروعًا:هل الحياة هي مجرد البقاء، أم أنها الوعي بالحياة؟ فالجواب بالنسبة لي شخصيا هو، ما استقيته مما علمتني إياه السنوات، وتجربة المرض خصوصًا، أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تكون موجودًا وأن تكون حيًا. فعندما واجهت المرض، أدركت فجأة هشاشة أشياء كثيرة كنت أعتبرها مهمة ، أصبحت التفاصيل الصغيرة أكثر قيمة من الإنجازات الكبيرة ، وصارت جلسة مع الأسرة، أو مكالمة من صديق، أو صباح أستطيع فيه أن أتنفس دون ألم، أغلى من أشياء كنت أسعى إليها سنوات طويلة ، عندها فقط شعرت أنني أعيش الحياة بوعي أكبر. ومن هنا أعتقد أن صاحب التعليق أصاب جانبًا مهمًا من الحقيقة ، فقبل أن نقلق بشأن ما إذا كانت هناك حياة بعد الموت، ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نعيش حياتنا الحالية فعلًا؟ هل نرى جمال الأيام وهي تمر؟ هل نمنح أحباءنا الوقت الذي يستحقونه؟ هل نعيش وفق قناعاتنا أم وفق توقعات الآخرين؟ هل نستمتع بالحاضر أم نؤجل الحياة إلى مستقبل قد لا يأتي أبدًا؟ لكن رغم عمق هذا السؤال، لا أراه بديلًا عن السؤال الأول، بل مكملًا له ، لأن السؤال عن الحياة بعد الموت يتعلق بالمصير ، أما السؤال عن الحياة قبل الموت فيتعلق بالمعنى. الأول يسأل: إلى أين سنذهب؟ والثاني يسأل: هل عشنا فعلًا قبل أن نذهب؟ والحكمة ربما تكمن في الجمع بين السؤالين معًا ، لأن الإنسان الذي لا يعرف كيف يعيش حياته الحاضرة قد لا يكون مؤهلًا لفهم قيمة أي حياة أخرى محتملة. ومع ذلك يبقى هناك جانب آخر يستحق التأمل وهو:هل يوجد فعلًا أناس ليسوا على قيد الحياة قبل الموت؟ من الناحية الطبية لا، لأن كل إنسان يتنفس ويعمل قلبه هو إنسان حي ، أما من الناحية النفسية والروحية والوجودية، فالإجابة مختلفة ،فهناك من يموت حلمه قبل أن يموت جسده ، وهناك من تموت دهشته بالحياة ، وهناك من يعيش أسير الخوف أو الحقد أو الندم حتى يصبح وجوده مجرد عبور للأيام. وفي المقابل، هناك من يبقى حيًا بكل جوارحه حتى آخر لحظة من عمره، لأنه لم يفقد فضوله، ولا قدرته على الحب، ولا إحساسه بمعنى وجوده. لذلك ربما لا يكون السؤالان متعارضين كما يبدو ، لأن من يعيش حياته بوعي وامتلاء يصبح أكثر قدرة على مواجهة سؤال الموت بهدوء ، ومن يتأمل الموت بصدق يتعلم كيف يعيش حياته بصورة أفضل. وهكذا يبقى السؤالان وجهين لحقيقة واحدة: ليس المهم فقط أن نعرف إن كانت هناك حياة بعد الموت، بل أن نتأكد أولًا أننا كنا أحياء حقًا قبل أن يأتي الموت.
حميد طولست. كاتب ساخر وناقد اجتماعي. •