الجديد بريس
من بين أكثر الملاحظات التي يرددها بعض العاملين، وجود شباب حاصلين على الإجازة أو الماستر اضطروا إلى العمل في مصانع الكابلاج بسبب قلة فرص الشغل في تخصصاتهم. فبعد سنوات طويلة من الدراسة، يجد الكثير منهم أنفسهم أمام خيار واحد، وهو قبول أي وظيفة لتوفير مصدر دخل يساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة.
ويؤكد عدد من العمال أن ظروف العمل داخل بعض المصانع تتسم بالضغط المستمر من أجل رفع الإنتاج، حيث يطلب منهم إنجاز عدد كبير من القطع في وقت محدود، مع مراقبة دائمة لمردودية العمل. هذا الضغط قد يؤدي إلى الإرهاق الجسدي والنفسي، خاصة عندما يتكرر بشكل يومي ولساعات طويلة.
كما يشتكي بعض العمال من سوء المعاملة داخل بعض أماكن العمل، سواء من خلال أساليب التواصل غير اللائقة، أو غياب الحوار، أو عدم الإنصات إلى المشاكل التي يواجهها العامل أثناء أداء مهامه. ويؤكد المختصون في مجال الشغل أن احترام كرامة العامل يعد أساسا لنجاح أي مؤسسة، لأن بيئة العمل الإيجابية تنعكس على جودة الإنتاج واستقرار اليد العاملة.
ولا تقف المعاناة عند الجانب المهني فقط، بل تمتد إلى الجانب الصحي. فالعمل المتكرر بنفس الحركات ولساعات طويلة قد يؤدي إلى آلام في الظهر والرقبة والكتفين والمفاصل، إضافة إلى الإرهاق الجسدي الذي يجعل بعض العمال يجدون صعوبة في ممارسة حياتهم اليومية بعد انتهاء ساعات العمل.
أما الجانب النفسي، فهو لا يقل أهمية. فالإحساس بعدم الاستقرار، والخوف من فقدان العمل، وضغط الإنتاج، وصعوبة التوفيق بين العمل والحياة الأسرية، كلها عوامل قد تسبب القلق والتوتر والإجهاد النفسي، وتؤثر على الحالة الاجتماعية للعامل وعلاقته بأسرته.
كما أن بعض الشباب يشعرون بالإحباط عندما يجدون أنفسهم يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم الجامعية، رغم حصولهم على الإجازة أو الماستر. وهذا يطرح سؤالا حول ضرورة ربط التكوين الجامعي بسوق الشغل، وخلق فرص عمل تستفيد من كفاءات الشباب في مختلف المجالات.
إن تحسين أوضاع العمال لا يخدم العامل وحده، بل يخدم أيضا المؤسسة والاقتصاد الوطني. فالعامل الذي يشتغل في ظروف جيدة، ويحظى بالاحترام، ويستفيد من الحماية الصحية والتكوين المستمر، يكون أكثر إنتاجية وأكثر التزاما، مما ينعكس إيجابا على جودة الإنتاج وتنافسية المقاولة.
ولذلك، فإن تعزيز الحوار الاجتماعي، واحترام قانون الشغل، وتحسين ظروف العمل، والاهتمام بالصحة والسلامة المهنية، وتوفير آليات للاستماع إلى شكاوى العمال، كلها خطوات من شأنها أن تساهم في خلق بيئة عمل أكثر إنسانية وتوازنا.
إن التنمية الصناعية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الصادرات، بل أيضا بجودة ظروف العمل، واحترام كرامة الإنسان، وتوفير بيئة مهنية تحفظ حقوق العامل وتقدر جهوده. فالعامل هو أساس الإنتاج، والاستثمار في راحته وصحته وكرامته هو استثمار في مستقبل الاقتصاد المغربي بأكمله.