حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
ليست كل الأمكنة سواء، فهناك أمكنة نسكنها، وأمكنة تسكننا ، وهناك بقاع لا تغادرنا مهما ابتعدت بنا السنون، لأنها أصبحت جزءًا من ذاكرتنا، ونبضًا من نبض أرواحنا، ومن بين تلك الأمكنة التي لا تزال تنبض في وجداني، تقف قصبة النوار، أو قصبة فيلالة، أو قصبة الشرفاء كما يتداول أهل فاس تسميتها، شامخةً في قلب مدينة فاس العتيقة، لا باعتبارها مجرد معلمة تاريخية، بل باعتبارها رحمًا احتضن طفولتي، وشاهدًا على أولى خطواتي، وأولى أحلامي.
ففي الجهة الشمالية الغربية من فاس العتيقة، وعلى مقربة من سويقة السلالين، وباب بوجلود، والطالعة الكبرى، والطالعة الصغرى، والݣزارين، تنتصب القصبة بأبراجها الضخمة وأسوارها السميكة، وكأنها حارس أمين لذاكرة المدينة ، هناك، حيث تتشابك الأزقة الضيقة كخيوط الذاكرة، وتمتزج رائحة التاريخ بعبق الخبز الساخن، ونكهة “البوبوش” -الحلزون- المطهو ، وأصوات الصناع بنداءات الباعة، والتي تجعل الماضي شيئًا لم ينقض، بل حياةً مستمرة تتجدد مع كل صباح ،
لم تكن هذه القصبة يومًا بالنسبة إليّ مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل كانت بداية الحكاية كلها.
في أحد بيوتها أبصرت النور، وبين أزقتها تعلمت كيف أميز الوجوه والأصوات، ومن سقاياتها ارتويت ماءً لا يزال مذاقه عالقًا في الذاكرة، وفي أحد كتاتيبها حفظت أولى الآيات من القرآن الكريم، قبل أن أتعلم القراءة في كتاب الحياة الواسع.
لقد كانت القصبة آنذاك عالمًا مكتملًا، يعرف فيه الجميع بعضهم بعضًا، تتقاسم الأسر الأفراح والأتراح، وتُفتح الأبواب قبل أن تُطرق، ويُربى الأطفال على احترام الكبير، وحب الجار، والاعتزاز بالانتماء إلى مدينة صنعت الحضارة قبل أن يعرفها كثير من المدن.
كانت الحياة هناك بسيطة، لكنها غنية بالمعاني. لم تكن الأزقة مجرد ممرات بين البيوت، بل كانت ساحات للتعارف، ومدارس للتربية، وفضاءات تحفظ ذاكرة الناس ، وكانت الحجارة العتيقة تنطق بحكايات من مروا قبلنا، فيما كانت المآذن والزوايا والأسواق تمنح المكان روحًا لا يمكن أن تخطئها العين ولا القلب.
ثم جاءت لحظة الرحيل ،غادرت القصبة مع أسرتي وأنا في عز الصبا، متجهين إلى فاس الجديد، المدينة التي شيدها المرينيون بعد استقرار حكمهم بالمغرب ، على يد السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق سنة 1276 ميلادية مدينة جديدة إلى الجنوب الغربي من فاس العتيقة، لتكون مركزًا إداريًا وسياسيًا للدولة المرينية، فشُيدت بها القصور السلطانية، والمساجد، والأسواق، والدواوين، وأحيطت بأسوار منيعة وتحصينات قوية ، وقد أطلق عليها مؤسسوها اسم المدينة البيضاء، غير أن أهل فاس سرعان ما أطلقوا عليها الاسم الذي بقي خالدًا إلى اليوم: فاس الجديد.
انتقلت بجسدي إلى المدينة الجديدة، لكن روحي بقيت معلقة بين أسوار القصبة العتيقة ، فهناك فرق كبير بين أن تغادر المكان، وأن يغادرك المكان. وأنا لم يحدث لي الأمر الثاني قط ، فما زالت قصبة النوار تعيش داخلي بكل تفاصيلها؛ كلما أغمضت عيني رأيت بابها العتيق، وأبراجها الراسخة، وأزقتها المتعرجة، وسمعت أصوات الأطفال وهم يملؤون المكان ،قرب الفران، ضجيجًا بريئًا، واستعدت ذكرياتي مع “با سيدي”-جدي- السي مْحمْد السوسي السكتاني الممرض ،وحنان “مي لالا”-جدتي- الشريفة لالى فاطمة البقالية ، ووجوه بعض الجيران الذين رحل بعضهم وبقي بعضهم الآخر يسكن الذاكرة.
لقد تغيرت القصبة كثيرًا، كما تغيرت فاس وتغير الزمن ، إلا أن هيبتها لم تتغير، وما زالت أسوارها تحتفظ بشموخها، كأنها ترفض الاستسلام لعوامل الزمن فهي ليست مجرد معلمة عمرانية، بل ذاكرة جماعية تختزن قرونًا من التاريخ، وتحمل في حجارتها قصص آلاف الأسر التي عاشت بين جدرانها، وتركت بصماتها في وجدان المدينة.
وإذا كانت المدن تُقاس بعراقة عمرانها، فإنها تُقاس أيضًا بقدرتها على الاحتفاظ بذاكرة أبنائها ، لذلك ستظل قصبة النوار بالنسبة إلي أكثر من مكان ولدت فيه ؛ إنها أول وطن عرفته ، وأول مدرسة تعلمت فيها معنى الانتماء، وأول نافذة أطللت منها على الدنيا.
وكلما تقدم بي العمر، أدركت أن الإنسان قد يرحل عن المكان، لكن المكان الحقيقي لا يرحل عن الإنسان ، ويظل يسكن أعماقه، ويستدعيه كلما هبت نسائم الذكريات، ليهمس له بأن الطفولة ليست مرحلة من العمر فحسب، بل وطن لا يغادر القلب أبدًا.