بقلم الأستاذ وزاني إبراهيمي عمر
المقدمة: يُشكل قطاع النظافة مرآة حقيقية تعكس تقدم المدن ورونقها الجمالي، وفي المغرب يعيش هذا القطاع تحولات جذرية أثارت الكثير من النقاش حول الجودة والمسؤولية، خاصة بعد الانتقال من الإشراف المباشر للمجالس المنتخبة إلى نظام التدبير المفوض للشركات الخاصة. فكيف تغير هذا الواقع؟ ومن يتحمل مسؤولية الوضع الحالي؟ وكيف يمكن للمواطن البسيط أن يكون جزءاً من الحل؟
العرض:
المحور الأول: الماضي القريب قوانين صارمة وإشراف جماعي مباشر في الماضي القريب: كان قطاع النظافة يُموّل ويُدار بشكل مباشر من ميزانية المجالس الجماعية، تميزت تلك الفترة بتطبيق قوانين صارمة تركت أثراً إيجابياً على جمالية الفضاء العام، ومن أبرز معالمها:
1) توقيت محدد ومُلزم: كان يُمنع قانوناً رمي النفايات المنزلية إلا في أوقات محددة بدقة من طرف الجهات المختصة، مما يمنع تراكمها وتشويهها للأزقة.
2) منع رمي مخلفات البناء: كان هناك حظر صارم على وضع بقايا الإصلاحات الداخلية من أتربة وحجارة في الحاويات العادية، وكان يُفرض نقلها إلى أماكن تجميع خاصة تابعة للمجلس الجماعي.
3) ارتباط مباشر بالميزانية: كان عامل النظافة موظفاً تابعاً للجماعة، مما وفر نوعاً من الاستقرار الإداري والمراقبة المباشرة لسلوكه وأدائه.
المحور الثاني: الحاضر (التدبير المفوض): تراجع الالتزام وتشتت المسؤولية بعد صدور قانون التدبير المفوض، تم إسناد هذا القطاع الحيوي على الصعيد الوطني إلى شركات خاصة عبر دفاتر تحملات محددة، ومع ذلك ظهرت اختلالات واضحة تسببت في تراجع رونق المدن، ومنها:
1) خرق دفاتر التحملات: عدم التزام بعض الشركات بالبنود المتفق عليها، مثل توفير الحاويات الكافية، وصيانتها، وتجديد أسطول الشاحنات.
2) تقصير بعض العمال: رغماً عن المجهودات الجبارة التي تبذلها فئة عريضة من العمال، إلا أن تصرفات “بعضهم” لا تشرف المهمة النبيلة التي يقومون بها، مما يساهم في إهمال الفضاءات المكلفين بها وتشويه صورة المدينة عموماً.
3) غياب المراقبة الصارمة: ضعف تفعيل آليات الرقابة والغرامات من طرف المجالس الجماعية ضد الشركات المخلة بالتزاماتها.
المحور الثالث: الحلول المقترحة واستعادة رونق المدينة:
لجعل مدننا صورة مشرفة يجب تفعيل حلول مؤسساتية عاجلة تتكامل مع مبادرات مواطنة واعية:
1) على المستوى المؤسساتي (الجهات الوصية والشركات): _تفعيل آليات المراقبة الصارمة وتطبيق ذعائر مالية ثقيلة على الشركات عند أي تقصير في دفاتر التحملات.
_مراجعة العقود لتشمل شروطاً جزائية تضمن حقوق العمال المادية والمهنية لرفع كفاءتهم وتحفيزهم.
_إخراج “شرطة البيئة” بشكل فعّال لزجر المخالفين الذين يرمون الأتربة ومخلفات البناء بشكل عشوائي.
2) على مستوى المواطن البسيط (المساهمة الفردية والجماعية):
_احترام مواعيد الرمي: الالتزام الصارم بإخراج النفايات فقط في الأوقات المحددة لمرور الشاحنة، ووضعها داخل الحاوية لا بجانبها.
_التدبير القانوني للأتربة: الامتناع عن رمي مخلفات إصلاح المنازل في الحاويات العادية، والتنسيق مع المصالح الجماعية لنقلها للمطاريح المخصصة.
_حماية العمال وفرز النفايات: وضع الأزبال في أكياس سميكة مغلقة بإحكام، وعزل المواد الحادة (كالزجاج المكسور) في علب خاصة لحماية العمال من الجروح.
_المراقبة المواطنة والمبادرة: التبليغ عن خروقات الشركات عبر التطبيقات الرقمية للجماعات، والمشاركة في حملات تزيين ونظافة الأحياء السكنية.
خاتمة: إن نظافة المدينة ورونقها ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو منظومة متكاملة؛ تبدأ بصرامة المجلس الجماعي في المراقبة، وتمر بالتزام الشركة والعمال بدفتر التحملات، وتنتهي بوعي المواطن البسيط وسلوكه الحضاري اليومي.