حميد طولست . كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن بعض مقدمي البرامج لم يعودوا يبحثون عن “العز” في جودة المحتوى، بل في مهاجمة نجوم الكرة المغربية. فكلما لمع اسم مغربي عالمي، خرج من يعتقد أن أقصر طريق إلى نسب المشاهدة هو إطلاق سهم في اتجاهه، ولو كان السهم مصنوعًا من سوء الفهم. آخر الضحايا كان الحارس العملاق ياسين بونو، الذي لم يفعل سوى الإشادة بعقلية ليونيل ميسي القتالية، مستشهدًا بإصراره على قلب نتيجة مباراة حتى اللحظة الأخيرة. حديث رياضي بحت عن الإرادة والروح التنافسية، لكن في بعض الاستوديوهات، تتحول الإشادة بالأساطير إلى “قضية أمن قومي”! المفارقة أن ملايين المصريين أنفسهم يعشقون ميسي، وارتدت أجيال كاملة قمصان المنتخب الأرجنتيني، ولم يعترض أحد على ذلك. أما عندما يعبّر بونو عن إعجابه بميسي، فجأة يصبح الأمر جريمة تستحق المحاكمة التلفزيونية! واضح أن المشكلة ليست في كلام بونو، بل في “مقص المونتاج” الذي يقتطع نصف الجملة، ثم يضيف إليها نصف خيال، لتخرج في النهاية قصة لا علاقة لها بما قيل. إنها وصفة قديمة: إذا غابت الفكرة… حضرت الإثارة، وإذا شحّ المحتوى… أصبح بونو مادة مجانية لجلب المشاهدات. وللتذكير فقط، بونو ليس لاعبًا اعتاد الدخول في المهاترات، بل رياضي صنع اسمه في أكبر الملاعب، واحترمه المنافس قبل المشجع، لأنه يتحدث بأدائه أكثر مما يتحدث بلسانه. أما الذين يعيشون على افتعال المعارك الوهمية، فمصيرهم أن تنتهي الحلقة… وينتهي معها الضجيج. ويبقى الفرق واضحًا: الإعلام الحقيقي يصنع الوعي، أما إعلام “الترند” فيصنع العناوين الصاخبة ثم يبحث عن الحقيقة في الحلقة الموالية. أما بونو… فسيواصل التصدي للكرات، بينما سيواصل البعض التصدي للنجاح المغربي… والفارق بين التصديين أن الأول يصنع الأمجاد، والثاني لا يصنع سوى الضوضاء.