حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي
ناك موسم لا يحتاج إلى نشرة جوية كي نعرف موعده، ولا إلى تقويم رسمي كي نستعد له. إنه الموسم الذي تهاجر فيه بعض الوجوه السياسية من المكاتب المكيفة إلى الأزقة الشعبية، ومن قاعات الاجتماعات إلى المقاهي والأسواق. يصبح فيها المسؤول فجأة عاشقًا للشاي في كأس “حياتي” الرخص، وصديقًا لبائع “الصيكوك”، وخبيرًا في تناول “البيصارة”، بعد أن غاب عن الناس سنوات طويلة.
في الديمقراطيات الحقيقية، يعيش المسؤول بين المواطنين لأن ذلك واجبه. أما عندنا، فإن بعضهم لا يتذكر المواطنين إلا عندما يتذكر صندوق الاقتراع.
قبل خمسة قرون، أدرك ميكيافيلي أن الصورة قد تتحول إلى أداة سياسية، وأن بعض الحكام يجيدون إدارة الانطباع أكثر من إدارة شؤون الناس. واليوم لم يتغير الكثير؛ فالكاميرا تسبق البرنامج، والابتسامة تسبق الإنجاز.
وما أسهل التقاط صورة مع بائع متجول، وما أصعب سن سياسة تحفظ له كرامته. وما أسهل احتساء كأس شاي مع المواطنين أمام عدسات المصورين، وما أصعب بناء مستشفى أو إصلاح مدرسة.
لذلك يبقى السؤال الذي لا تستطيع أي صورة أن تخفيه: أين كان هذا المسؤول طوال السنوات الماضية؟ فالانتخابات ليست امتحانًا للذاكرة، بل امتحانًا للحصيلة. وقد تنتهي الحملة الانتخابية، لكن التاريخ لا يصاب بقصر الذاكرة ،ولا يمنح أوسمته لمن أتقن التصوير، بل لمن خفف عن الناس أوجاعهم.