حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في المغرب، لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لتفهم قاعدة كروية غريبة أصبحت أشبه بقانون غير مكتوب”: المدرب الأجنبي لا يُخطئ ، والمدرب المغربي مشروع متهم دائم!”
فإذا أخطأ المدرب المغربي، قامت القيامة ولم تقعد، وإذا تعثر المدرب الأجنبي، فالأمر مجرد “مرحلة انتقالية” تحتاج بعض الصبر والثقة والعمل في هدوء!
ولعلّ أكثر من جسّد هذه المفارقة العبثية هو وليد الركراكي، الرجل الذي صنع ما يشبه المعجزة الكروية بأيدٍ مغربية خالصة، وقاد المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم، بعد أن أطاح بإسبانيا والبرتغال، وجعل العالم كله يتحدث عن المغرب بإعجاب واحترام ، ومع ذلك، لم يسلم الرجل من سكاكين النقد اليومية، حتى بدا وكأن البعض كان ينتظر فقط أي تعادل أو هفوة صغيرة ليكتب المقالات الطويلة عن “نهاية المشروع” و”ضعف الشخصية” و”الأخطاء التكتيكية القاتلة”!
أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا مع مدرب تلمنتخب أقل من 17 سنة البرتغالي :تعادل في المباراة الأولى بنتيجة أقرب إلى الخسارة، وكاد يسقط أمام إثيوبيا في المباراة الثانية، وفوز على مصر…لكن الصمت كان سيد الموقف ، لا مقالات نارية، لا تحليلات غاضبة، لا مطالب بالإقالة، لا “فضائح تكتيكية”، ولا حتى تلك الجملة الشهيرة: “هذا المنتخب لا يملك هوية!”
وكأن المدرب الأجنبي في نظر البعض كائن مقدس لا يجوز الاقتراب منه، بينما المدرب المغربي مجرد موظف بسيط يمكن محاكمته صباح مساء، بل وحتى تحميله مسؤولية اتجاه الرياح والرطوبة فوق أرضية الملعب!
المشكلة هنا ليست في النقد، فالنقد مطلوب وضروري، بل في ازدواجية المعايير.
حين يتحول المدرب الأجنبي إلى “خبير عالمي” حتى قبل أن يحقق أي شيء، بينما يُعامل ابن البلد وكأنه متهم مطالب دائمًا بإثبات براءته، فنحن لا نتحدث عن تحليل رياضي، بل عن عقدة نقص مزمنة ما زالت تسكن بعض العقول المستلبة.
والغريب أن التجربة أثبتت عكس ذلك تمامًا، فالإنجازات التاريخية للكرة المغربية جاءت غالبًا عندما مُنحت الثقة للأطر الوطنية، لأنها ببساطة تشتغل بروح “تامغربيت”، تلك الروح التي لا تُدرّس في مدارس التدريب الأوروبية، ولا تُشترى بالشهادات والبدلات الأنيقة والمؤتمرات الصحفية المليئة بالمصطلحات المعقدة.
المدرب المغربي يعيش تفاصيل المباراة كمشجع قبل أن يكون مدربًا، يشعر بثقل القميص الوطني، ويعرف ماذا يعني أن تنهزم فوق أرضك وأمام جمهورك ، أما بعض المدربين الأجانب، فالأمر بالنسبة لهم مجرد محطة مهنية أخرى بين مطار وآخر، وراتب وآخر، وتجربة تُضاف إلى السيرة الذاتية.
وحين نتحدث عن منتخب أقل من 17 سنة، فنحن نتحدث عن جيل أعاد الأمل للجماهير المغربية، جيل يضم أسماء واعدة مثل إلياس بلمختار وعبد الله وزان وإسماعيل العود وزياد باها، وهي أسماء جعلت الجمهور يؤمن بأن مدرسة الكرة المغربية بدأت تستعيد بريقها الحقيقي.
لكن ما ظهر مؤخرًا كان صادمًا بكل المقاييس: منتخب تائه، أداء بلا روح، وعشوائية جعلت الجماهير تتساءل إن كان هذا هو نفس الفريق الذي تألق سابقًا وفاز بدوري شمال إفريقيا بالعلامة الكاملة.
والأكثر إثارة للسخرية أن البعض ما زال يحاول إقناعنا بأن المدرب هو “العقل المدبر” لكل ما يحدث داخل الملعب، بينما الواقع يقول إن اللاعبين هم من ينقذون الموقف بموهبتهم وانسجامهم الفطري، في ظل غياب واضح لأي بصمة تكتيكية حقيقية من دكة البدلاء.
طبعًا، المسؤولية لا تقع فقط على المدرب البرتغالي، بل أيضًا على من اقتنع بأن جواز السفر الأجنبي وحده كافٍ لصناعة النجاح، وكأن الكفاءة المغربية تحتاج دائمًا إلى ختم أوروبي حتى تصبح قابلة للتصديق!
في النهاية، يبدو أن بعضنا لا يزال يؤمن بأن المدرب الأجنبي يعرف أسرار الكرة حتى ولو كان الفريق يترنح فوق الميدان، بينما المدرب المغربي مطالب بالفوز والإقناع والمتعة والهيمنة، وإلا أصبح مشروع فشل قومي!
إنها ليست أزمة كرة فقط، بل أزمة ثقة في الذات ، وما لم نتخلص من هذه العقدة، فسنظل نصفق للأجنبي حتى وهو يتعثر، ونجلد أبناء البلد حتى وهم يصنعون التاريخ.