بدر شاشا
يعتبر ورش الجهوية المتقدمة من أهم الإصلاحات المؤسساتية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، لأنه جاء بفلسفة جديدة تقوم على نقل جزء مهم من صلاحيات التنمية والتخطيط والتدبير من الإدارة المركزية إلى الجهات. وقد انطلق هذا التصور من قناعة أساسية مفادها أن مشاكل جهة جبلية ليست هي مشاكل جهة ساحلية، وأن حاجيات جهة فلاحية تختلف عن حاجيات جهة صناعية أو سياحية، وبالتالي فإن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بقرارات مركزية موحدة تطبق على جميع الجهات بنفس الطريقة.
لقد حققت الجهوية المتقدمة بعض النتائج الإيجابية، حيث أصبحت الجهات تتوفر على مجالس منتخبة وبرامج تنموية وموازنات خاصة ومشاريع جهوية، كما ساهمت في تعزيز الاستثمار في بعض المناطق وتحسين البنيات التحتية وإطلاق عدد من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية. غير أن الواقع يكشف أيضا عن استمرار اختلالات كبيرة بين الجهات، حيث ما تزال الثروة وفرص الشغل والاستثمارات متمركزة في عدد محدود من الأقطاب الكبرى، بينما تعاني جهات أخرى من ضعف النمو الاقتصادي وهجرة الشباب ونقص الخدمات الأساسية.
فعندما ننظر إلى الخريطة الاقتصادية للمغرب نجد أن جزءا مهما من الناتج الداخلي الخام يتركز في جهات محددة مثل و و، في حين تواجه جهات أخرى صعوبات في جذب الاستثمارات الكبرى وخلق فرص العمل الكافية لسكانها. وهذا الوضع يؤدي إلى استمرار الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، حيث يغادر آلاف الشباب مناطقهم الأصلية بحثا عن الشغل أو الدراسة أو الخدمات الصحية.
ومن أبرز الإشكالات التي تواجه الجهوية المتقدمة أن العديد من الجهات لا تتوفر على قاعدة اقتصادية قوية تمكنها من تمويل مشاريعها بشكل مستقل. كما أن عددا من القرارات الاستراتيجية ما يزال مرتبطا بالإدارة المركزية، مما يجعل بعض المشاريع تستغرق سنوات طويلة بين الدراسة والمصادقة والتنفيذ.
ومن وجهة نظري كباحث مغربي، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقال المغرب إلى جهوية اقتصادية إنتاجية حقيقية، لا تقتصر على نقل الاختصاصات الإدارية فقط، بل تقوم على بناء اقتصاد جهوي متكامل داخل كل جهة.
أول خطوة في هذا الاتجاه تتمثل في إنشاء مناطق صناعية جهوية ضخمة في جميع الجهات دون استثناء. فلا يعقل أن تستفيد بعض المناطق من عشرات المناطق الصناعية الحديثة بينما تظل جهات أخرى تعتمد على الفلاحة التقليدية أو الأنشطة الموسمية. يجب أن تتوفر كل جهة على قطب صناعي كبير مجهز بأحدث البنيات التحتية وقادر على استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية. ويمكن أن تتخصص كل جهة في القطاعات التي تتلاءم مع مؤهلاتها الطبيعية والبشرية، فهناك جهات يمكن أن تتخصص في الصناعات الغذائية، وأخرى في صناعة السيارات، وأخرى في الطاقات المتجددة أو الصناعات الكيميائية أو اللوجستية أو الصناعات البحرية.
كما أقترح إنشاء مناطق جهوية كبرى لإنتاج الطاقة المتجددة. فالمغرب يتوفر على إمكانيات هائلة في الطاقة الشمسية والريحية، لكن المطلوب هو توزيع المشاريع الطاقية على مختلف الجهات وربطها بالتنمية المحلية. فكل جهة يجب أن تتوفر على مشاريع ضخمة للطاقة النظيفة تساهم في خلق مناصب الشغل وتوفير الطاقة للمناطق الصناعية الجديدة. ويمكن أن تتحول بعض الجهات إلى مراكز وطنية وإفريقية لتصدير الكهرباء الخضراء والهيدروجين الأخضر مستقبلا.
وفي المجال الجامعي، يجب أن تصبح كل جهة قطبا جامعيا متكاملا. فالتنمية لا يمكن أن تتحقق بدون المعرفة والبحث العلمي. لذلك أقترح إنشاء جامعات جديدة ومعاهد عليا ومدارس هندسة ومراكز بحث متخصصة داخل جميع الجهات. كما يجب ربط التكوين الجامعي بالحاجيات الحقيقية للاقتصاد الجهوي حتى لا تستمر ظاهرة تخريج آلاف الشباب في تخصصات لا تجد طلبا كافيا في سوق الشغل.
فالجهة التي تتوفر على صناعة السيارات يجب أن تضم معاهد متخصصة في الميكانيك والإلكترونيات الصناعية. والجهة التي تعتمد على الفلاحة يجب أن تضم مراكز للبحث الزراعي والهندسة الفلاحية. والجهة التي تتجه نحو الرقمنة يجب أن تتوفر على مدارس متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني.
أما في مجال النقل، فإن نجاح الجهوية المتقدمة مرتبط بإنجاز ثورة حقيقية في البنية التحتية. فكل جهة تحتاج إلى شبكة طرق سيارة حديثة تربط المدن والمراكز الصناعية والموانئ والمطارات. كما أن النقل السككي يجب أن يصبح أولوية وطنية، ليس فقط بين المدن الكبرى، بل أيضا داخل الجهات نفسها. ويمكن مستقبلا تطوير شبكات سككية جهوية سريعة تسمح بتنقل العمال والطلبة والموظفين بسهولة بين مختلف أقاليم الجهة.
كما أقترح توسيع شبكات القطارات وربط المناطق الداخلية بالموانئ والمطارات الكبرى. فالاستثمار يفضل المناطق المرتبطة بشبكات النقل الحديثة، وكل درهم يتم استثماره في النقل ينعكس إيجابيا على النمو الاقتصادي والتشغيل.
ومن المشاريع التي أراها ضرورية أيضا إنشاء ملاعب رياضية جهوية كبرى ومركبات ثقافية وترفيهية حديثة. فالتنمية ليست اقتصادية فقط، بل تشمل جودة الحياة والرياضة والثقافة. ويمكن لهذه المنشآت أن تساهم في احتضان التظاهرات الوطنية والدولية وجذب السياحة الرياضية وخلق فرص عمل جديدة للشباب.
أما الإصلاح الأكثر أهمية في نظري فهو الانتقال من المركزية الإدارية الثقيلة إلى إدارة جهوية شاملة ومتكاملة. فالعديد من المواطنين والمستثمرين يضطرون إلى انتظار قرارات أو تراخيص أو موافقات تمر عبر مساطر طويلة ومعقدة. لذلك أقترح إنشاء إدارة جهوية مصغرة داخل كل جهة تضم مختلف المصالح الضرورية لاتخاذ القرار محليا دون الحاجة إلى العودة المستمرة للإدارة المركزية.
ويجب أن تتوفر كل جهة على صلاحيات أوسع في الاستثمار والتخطيط العمراني والتشغيل والتكوين المهني والنقل والتنمية الاقتصادية. كما ينبغي منح الولاة والمجالس الجهوية والإدارات الجهوية أدوات حقيقية للتدخل السريع وحل المشاكل المحلية.
ومن الضروري أيضا إحداث بنوك وصناديق استثمار جهوية موجهة لتمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الناشئة. فالكثير من الشباب يمتلك أفكارا ومشاريع واعدة لكنه لا يجد التمويل الكافي للانطلاق. ويمكن لهذه الصناديق أن تصبح رافعة حقيقية للتنمية المحلية وخلق الثروة.
كما أقترح إنشاء مناطق لوجستية كبرى داخل كل جهة وربطها بالموانئ والطرق السيارة والسكك الحديدية، حتى تصبح الجهات المغربية أكثر تنافسية وقادرة على استقطاب الصناعات والخدمات الحديثة.
وفي المدى البعيد، يجب أن يكون الهدف هو بناء اثنتي عشرة جهة قوية اقتصاديا، تمتلك كل واحدة منها قاعدة صناعية وجامعية ولوجستية وطاقية متطورة. فعندما تصبح كل جهة قادرة على خلق فرص الشغل لسكانها، ستتراجع الهجرة الداخلية وستتحقق تنمية أكثر توازنا بين مختلف مناطق المملكة.
إن مستقبل المغرب خلال العقود القادمة لن يعتمد فقط على قوة الدولة المركزية، بل أيضا على قوة الجهات وقدرتها على الإنتاج والابتكار وجذب الاستثمارات. فالجهوية المتقدمة ليست مجرد تقسيم إداري جديد، بل هي مشروع حضاري وتنموي كبير يهدف إلى بناء مغرب أكثر عدالة وتوازنا وتنافسية، مغرب تستطيع فيه كل جهة أن تكون قطبا اقتصاديا وعلميا وثقافيا يساهم في التنمية الوطنية الشاملة ويمنح المواطنين فرصا أفضل للعيش الكريم والاستقرار والازدهار.