الحلقة الثانية من مسلسل التبرئة من ملف التوقيع على التطبيع

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

يبدو أن حزب العدالة والتنمية كلما اشتدت عليه حرارة ملف التطبيع، استدعى فرقة “التنظيف السياسي” لمحاولة إزالة البقع التي استعصت على كل مساحيق التبرير. غير أن المشكلة أن المكلفين بالمهمة لا ينجحون في محو الآثار، بل يتركون آثار أقدامهم فوقها، فيتحول التبرير إلى اعتراف، والدفاع إلى إدانة، وتصبح النتيجة أقرب إلى المثل المغربي الشهير: “جا بلارج يبوس ولدو عماه”المثل المغربي الذي يكاد يكون الوصف الأدق لكل محاولة للتبرئة تتحول إلى فضيحة جديدة، وكل محاولة لغسل الصورة تترك عليها بقعا إضافية ، والذي يبدو أن قيادة حزب العدالة والتنمية لم تجد بعد وصفة سحرية تمحو من ذاكرة المغاربة صورة سعد الدين العثماني وهو يوقع اتفاقية التطبيع. ولذلك تلجأ بين الفينة والأخرى إلى إرسال متطوعين في مهمة مستحيلة: “إقناع الرأي العام بأن الحزب وقّع التطبيع ، لكنه لم يطبع!”.
المفارقة أن كل من يتصدى لهذه المهمة يخرج بنتيجة عكسية تماما، تماما كما حدث مع عبد اللطيف سودو من قبل، ويحدث اليوم مع عزيز هناوي. كلاهما دخل المعركة بهدف تبرئة الحزب، فإذا به يمنح المغاربة أدلة إضافية على أن القضية ليست مجرد “سوء فهم”، بل مسؤولية سياسية كاملة يحاول أصحابها اليوم إعادة كتابة التاريخ.
وآخر الإبداعات التي تفتقت عبقرية عزيز هناوي والتي قدمها للمغاربة هي قصة “اختراق” مؤتمر العدالة والتنمية من طرف عوفير برونشتاين، مستشار إسحاق رابين. رواية تقول إن الرجل تسلل إلى مؤتمر الحزب دون علم القيادة، وإن الأمر اكتُشف لاحقا.
جميل جدا ، ويا روعة المكتشف !!!، لكن السؤال البسيط الذي قد يطرحه حتى طفل في المرحلة الابتدائية هو: لماذا احتاج هذا الاكتشاف أربعة عشر عاما كاملة حتى يخرج إلى العلن؟
وهل كانت القضية تحتاج إلى فترة حضانة أطول من بعض المشاريع النووية؟
وهل كان على المغاربة أن ينتظروا عقدا ونصف العقد حتى تنضج الحكاية في ذهن صاحبها؟
إذا كان هناوي قد أجرى تحقيقا شخصيا ووصل إلى هذه الخلاصات منذ ذلك الوقت، فلماذا لم يخبر الرأي العام حينها؟ ، ولماذا لم يدق ناقوس الخطر وهو الذي يقدم نفسه اليوم باعتباره من أشد المناهضين للتطبيع؟
الغريب أن القصة نفسها تكشف حجم المأزق الذي وقع فيه صاحبها ، لأنه إذا صدقنا روايته، فإننا أمام حزب كان يقود الحكومة ويمسك بوزارة الخارجية ويملك عشرات البرلمانيين، ومع ذلك لا يعرف هوية ضيوف مؤتمره.
وإذا لم نصدق الرواية، فنحن أمام محاولة متأخرة لتبرير ما لا يمكن تبريره.
وفي الحالتين، النتيجة كارثية ، لكن المشكلة ليست في قصة برونشتاين وحدها.
فالرجل “هناوي” نفسه صمت عندما ارتفع حجم المبادلات التجارية مع إسرائيل في عهد حكومة حزبه ، وصمت عندما وقع أمينه العام اتفاقية التطبيع ، وصمت عندما كان وزراء من الحزب يتحدثون عن إمكانية زيارة إسرائيل ، وصمت عندما كان قادة الحزب يصفون التوقيع بأنه موقف وطني ، والذي سبق لعبد الإله بنكيران نفسه أن صرح علنا بأنه لو كان مكان العثماني لفعل الشيء نفسه.
أين كان كل هذا الغضب الذي نراه اليوم؟ ، وأين كانت هذه الخطب النارية؟ ، أين كانت تلك البيانات الاستنكار؟ ، وأين كانت تلك الشجاعة الثورية التي ظهرت فجأة بعد سنوات من انتهاء الوقائع؟
الظاهر أن بعض البطولات السياسية لا تعمل إلا بأثر رجعي ، فبعد سنوات من الصمت، يتحول الجميع إلى مقاومين أشداء، ويبدأ البحث عن كبش فداء داخل الحزب لتحميله مسؤولية قرارات اتخذتها القيادة بشكل جماعي.
والأطرف من ذلك أن أصحاب هذه الروايات يطلبون من المغاربة أن يصدقوا معادلة سياسية جديدة لم ترد في أي كتاب للرياضيات:
“العثماني وقّع التطبيع ، لكنه غير مطبّع.”
وهي معادلة لو عرضت على أساتذة الرياضيات لطلبوا إحالتها على مختبرات الفيزياء الكمية لفهمها.
أما سياسيا، فهي مجرد محاولة للهروب إلى الأمام لأن الرأي العام لم يقتنع بالتبريرات الأولى، فتم إنتاج تبريرات جديدة أكثر غرابة.


اليوم يتحرك عزيز هناوي بكثافة غير مسبوقة لتلميع صورة الحزب من ملف التطبيع ، والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن بالضبط؟ ،وهل اكتشف الحقيقة فجأة؟ أم أن رائحة الانتخابات بدأت تنتشر في الأجواء؟ ومن الملاحظ أن القضية الفلسطينية تتحول عند البعض إلى ملف موسمي، يشتد حضوره كلما اقترب موعد الاقتراع، ثم يعود إلى الرف بمجرد الوصول إلى مواقع المسؤولية.
لقد ناضل المغاربة من أجل فلسطين قبل ولادة هذا الحزب بعقود طويلة، وسيواصلون ذلك بعده ، أما تحويل القضية إلى مسحوق انتخابي لتغطية أخطاء سياسية موثقة، فهو أمر آخر تماما.
والخلاصة أن مهمة “تنظيف” ملف التطبيع داخل العدالة والتنمية أصبحت تشبه محاولة إزالة بقعة حبر باستعمال مزيد من الحبر.
كلما تحدث المكلفون بالتبرئة أكثر، تذكر المغاربة أكثر.
وكلما حاولوا إقناع الناس بأن الحزب لم يكن مسؤولا، أكدوا للجميع أنه كان مسؤولا.
ولهذا يعود المثل المغربي العتيق ليفرض نفسه مرة أخرى:”جا بلارج يبوس ولدو عماه”.
وما أكثر العميان السياسيين الذين أعمتهم هذه المحاولات العبثية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *