القاهرة… حين تتحوّل الزيارة العاشرة إلى بداية جديدة
المقدمة
هناك مدن تمرّ بها، وهناك مدين تمرّ فيك. والقاهرة، على اتساعها، تفعل الأمرين معًا: تبتلعك كي تريك حجمها، ثم تُعيد تشكيلك كي تفهم إيقاعها. رغم أني أزورها للمرة العاشرة، أجد يقيني يزداد مع كل وصول ،بأن هذه المدينة لا تُستنفد، لا تُختصر، ولا تُكشَف دفعة واحدة. هي مثل كتاب تظن أنك أنهيته، فتكتشف أن الصفحات كانت تخفي طبقات جديدة من الحبر، لا تظهر إلا لمن يعود.
في القاهرة، الازدحام ليس مجرد حركة؛ هو طريقة حياة، وشكل اقتصاد يومي، ومزاج اجتماعي يُصنع على الأرصفة وفي الطوابير وعلى الكباري وفي عربات المترو. والضوضاء ليست خلفية؛ إنها جزء من المشهد، مثل نَفَس المدينة حين يعلو وينخفض وفق مزاج الناس وطقس النهار.
هنا، كل شيء يكتب نفسه: المقهى نصٌّ مفتوح، والبائع المتجول حكاية قصيرة، والشارع رواية لا تنتهي. وكل زيارة جديدة ليست سوى إعادة قراءة لنص لا يكفّ عن إعادة كتابة نفسه.
لذلك قررت نظم سلسلة مراسلات عنها كمحاولةً لفهم هذه المدينة التي لا أخوضها بل تخوضني، ولا أنظر إليها بقدر ما تُعيد ترتيب نظرتي إلى الحياة. سلسلة مراسلات أقف فيها عند التفاصيل الصغيرة التي تصنع “القاهرة”، عند الأصوات التي تتناسل، والوجوه التي تتكرر دون أن تتشابه، والأمكنة التي لا تنام لأن فكرة النوم نفسها غير مقتنعة بأن هذا المكان يحتاج إلى صمت.
وقد ارتأيت أن تكون الحلقة الأولى: من ممرات المطار،الذي تبدأ منه القاهرة قبل أن تبدأ عند أول خطوة خارج بوابة المطار، كما يخيَّل للزائر ، بينما الحقيقة أن المدينة تستقبلك مبكرًا، قبل الختم الأول على الجواز، وقبل نظرة الضابط، وقبل أن يتبدّد الهواء البارد القادم من الطائرة في رطوبة صالة الوصول.
حيث في كل مرة أزور فيها القاهرة، أكتشف أن المطار ليس مجرد مبنى؛ إنه مدخل اجتماعي، وطبقة أولى من طبقات الشخصية القاهرية. فالمطار هنا مزدحم حتى في أيام الهدوء، صاخب حتى في لحظات السكون، سريع حتى عندما تبدو الحركة بطيئة. وكأن المدينة ترسل نسخة مصغّرة منها إلى بواباتها، لتقول للزائر: “هكذا سنلتقي… فلا تفاجأ بما هو قادم.”
يتحرك الناس في بهو المطار كأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن. لا وقت للتوجّس ولا مسافة للهدوء. هذا الاندفاع نحو المنافذ، هذا الازدحام الذي تتجاور فيه الأسر والحقائب والموظفون والموظفات، ليس مجرد فوضى، بل هو جزء من لغة القاهرة اليومية: سرعة تغلّفها العشوائية، وعشوائية تُخفي وراءها نظامًا لا يراه إلا من عاش الإيقاع طويلًا.
تتشابه الوجوه، لكن القصص مختلفة. هذا عائد بعد غياب، وتلك مهاجرة تزور أهلها، وذاك سائح يبحث عن دهشة أولى. لكن الجميع، دون اتفاق، يتحركون وفق النبض نفسه: نبض مدينة تُعلن حضورها قبل الوصول إليها رسميًا.
وهكذا، قبل أن أخرج إلى الشارع، قبل أن يداهمني هدير السيارات ونهر البشر في اتجاهات لا يمكن التنبؤ بها، كنت أدرك أن الزيارة العاشرة لن تكون مجرد عودة، بل بداية سلسلة جديدة من ملاحظات لا بد أن تُكتب، لأن القاهرة لا تمنح زائرها خيار النسيان… بل فقط خيار الكتابة ، كتابة سلسلة مراسلات من “مراسلات من مدينة لا تنام” القاهرة التي أزورها للمرة العاشرة .