المنتخب المغربي.. سبعون عاماً من المجد بين حلم إفريقيا وإنجاز العالم و يستطيع الفوز بكأس العالم 

 

الجديد بريس – بدر شاشا 

منذ استقلال المملكة المغربية سنة 1956، بدأ المنتخب المغربي لكرة القدم كتابة فصول واحدة من أجمل القصص في تاريخ الكرة الإفريقية والعربية. قصة امتزجت فيها لحظات الفرح والحزن، والانتصارات والانكسارات، لكنها ظلت دائماً حكاية منتخب كبير يحمل طموحات شعب عاشق لكرة القدم ويؤمن بأن أسود الأطلس قادرون على منافسة كبار العالم.

خلال العقود الماضية تحول المنتخب المغربي من فريق ناشئ يبحث عن مكان له بين المنتخبات الإفريقية إلى قوة كروية يحسب لها ألف حساب. فالمغرب لم يكن مجرد مشارك في البطولات، بل أصبح رمزاً للكرة العربية والإفريقية في المحافل العالمية، خاصة بعد الإنجاز التاريخي في كأس العالم 2022 الذي وضع اسمه بين أعظم منتخبات العالم.

في السنوات الأولى بعد الاستقلال كان المنتخب المغربي يعمل على بناء هويته الكروية، وبدأ يشارك في مختلف المنافسات القارية والدولية. ومع مرور الوقت تطورت الكرة المغربية بشكل كبير بفضل الأندية الوطنية والنجوم الذين لمعوا داخل المغرب وخارجه.

على مستوى كأس الأمم الإفريقية، لم يشارك المغرب في النسخ الأولى للبطولة، قبل أن يسجل حضوره لأول مرة سنة 1972 في الكاميرون حيث بلغ الدور الأول. كانت تلك المشاركة بداية رحلة طويلة مع البطولة القارية التي ستشهد لاحقاً أعظم إنجاز إفريقي في تاريخ المغرب.

وفي نسخة إثيوبيا سنة 1976 صنع المنتخب المغربي المجد عندما توج بطلاً لإفريقيا للمرة الأولى في تاريخه. قدم أسود الأطلس بطولة استثنائية وأظهروا شخصية قوية مكنتهم من رفع الكأس الغالية، ليصبح المغرب أحد أبطال القارة السمراء. وحتى اليوم يبقى لقب 1976 واحداً من أهم المحطات في تاريخ الرياضة المغربية.

بعد التتويج الإفريقي واصل المغرب حضوره القاري، فشارك في نسخة 1978 وخرج من الدور الأول، ثم عاد بقوة في نسخة 1980 بنيجيريا وحقق المركز الثالث، مؤكداً أن التتويج لم يكن مجرد صدفة بل نتيجة تطور حقيقي للكرة المغربية.

وخلال ثمانينيات القرن الماضي عاش المنتخب المغربي واحدة من أفضل فتراته. ففي كأس إفريقيا 1986 احتل المركز الرابع، ثم كرر المركز الرابع في نسخة 1988 التي أقيمت على أرض المغرب وسط حضور جماهيري ضخم وأحلام كبيرة بالتتويج الثاني.

شهدت التسعينيات تراجعاً نسبياً في النتائج الإفريقية، حيث خرج المنتخب من دور المجموعات سنة 1992، ثم بلغ ربع نهائي نسخة 1998 في بوركينا فاسو. وبعد ذلك توالت المشاركات بين إخفاقات وخروج مبكر في نسخ 2000 و2002 و2006 و2008 و2012.

لكن سنة 2004 ستبقى محفورة في ذاكرة الجماهير المغربية. ففي تونس قدم أسود الأطلس بطولة رائعة، وتأهلوا إلى المباراة النهائية بعد عروض مميزة أبهروا بها القارة الإفريقية. ورغم خسارة النهائي أمام تونس، فإن المركز الثاني يبقى أفضل إنجاز للمغرب في كأس إفريقيا منذ لقب 1976.

وفي السنوات الأخيرة عاد المنتخب المغربي إلى الواجهة القارية، فوصل إلى ربع النهائي في نسختي 2017 و2021، وبلغ دور الستة عشر في 2019 و2023، مؤكداً حضوره الدائم بين كبار القارة وإن كانت الجماهير ما تزال تنتظر لقباً إفريقياً جديداً يضيفه الأسود إلى خزائنهم.

أما على مستوى كأس العالم، فإن تاريخ المغرب أكثر إشراقاً وتأثيراً. فقد كان أول ظهور له في نهائيات المونديال سنة 1970 بالمكسيك، ليصبح أول منتخب عربي من إفريقيا يشارك في كأس العالم. ورغم الخروج من الدور الأول فإن المشاركة كانت تاريخية ومهدت الطريق للأجيال القادمة.

وجاءت لحظة الخلود سنة 1986 في المكسيك عندما أصبح المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يتصدر مجموعته ويتأهل إلى الدور الثاني من كأس العالم. تفوق الأسود على منتخبات قوية وكتبوا أسماءهم بحروف من ذهب في تاريخ الكرة العالمية. ذلك الإنجاز ظل لسنوات طويلة مفخرة لكل العرب والأفارقة.

عاد المغرب إلى كأس العالم سنة 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه ودع البطولة من الدور الأول رغم تقديمه بعض المباريات الجيدة. ثم شارك في مونديال فرنسا 1998 وقدم عروضاً رائعة وكان قريباً جداً من التأهل إلى الدور الثاني، إلا أن نتائج المجموعة حرمته من مواصلة المغامرة رغم فوزه الشهير على اسكتلندا بثلاثية نظيفة.

بعد غياب طويل دام عشرين عاماً عاد المغرب إلى كأس العالم في روسيا 2018. ورغم الخروج من الدور الأول فإن المنتخب أظهر شخصية قوية أمام منتخبات كبيرة مثل البرتغال وإسبانيا، وبدأت ملامح جيل ذهبي جديد تتشكل في الأفق.

ثم جاءت النسخة التي غيرت تاريخ الكرة المغربية والعربية والإفريقية إلى الأبد. في كأس العالم قطر 2022 دخل المنتخب المغربي البطولة بطموح التأهل من الدور الأول، لكنه خرج منها أسطورة خالدة. تصدر مجموعته أمام كرواتيا وبلجيكا وكندا، ثم أقصى إسبانيا بركلات الترجيح، وبعدها أطاح بالبرتغال ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. ورغم خسارته أمام فرنسا ثم كرواتيا في مباراة المركز الثالث، أنهى البطولة في المركز الرابع، وهو أفضل إنجاز في تاريخ الكرة العربية والإفريقية في كأس العالم.

إن إنجاز قطر 2022 لم يكن مجرد نتيجة رياضية، بل كان لحظة تاريخية وحدت ملايين الجماهير العربية والإفريقية خلف المنتخب المغربي. تحولت أسماء اللاعبين إلى رموز عالمية، وأصبح أسود الأطلس مصدر إلهام للأجيال الجديدة في مختلف أنحاء العالم.

ومع تأهله إلى كأس العالم 2026، يدخل المنتخب المغربي مرحلة جديدة من تاريخه وهو يحمل طموحات أكبر من أي وقت مضى. فبعد الوصول إلى نصف النهائي في النسخة الماضية لم يعد هدف الجماهير مجرد المشاركة المشرفة، بل المنافسة على الأدوار المتقدمة ومواصلة كتابة التاريخ. وقد أصبح المغرب واحداً من أكثر المنتخبات احتراماً على الساحة الدولية بفضل جودة لاعبيه وتطور بنيته الكروية ومكانته المتنامية عالمياً.

وعندما نستعرض رحلة المنتخب المغربي منذ سنة 1956 وحتى اليوم نجد أنفسنا أمام تاريخ حافل بالأمجاد واللحظات الخالدة. من لقب إفريقيا سنة 1976 إلى وصافة 2004، ومن أول مشاركة مونديالية سنة 1970 إلى معجزة 1986 وإنجاز 2022 التاريخي، ظل المنتخب المغربي عنواناً للفخر والاعتزاز. إنه منتخب لم يتوقف عن الحلم، ولم يتوقف عن التطور، وما تزال صفحاته القادمة تحمل الكثير من الأمل لجماهير تؤمن بأن أفضل فصول الحكاية ربما لم تُكتب بعد.

ديما مغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *