تعتبر البطالة من أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب خلال العقد الحالي، خصوصا في صفوف الشباب وخريجي الجامعات والمعاهد العليا. فرغم المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في مجالات الصناعة والبنية التحتية والطاقات المتجددة والسيارات والطيران، ما زالت نسبة مهمة من الشباب تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على فرص عمل مستقرة تتناسب مع مؤهلاتها العلمية.
شهدت سنة 2023 ارتفاع معدل البطالة إلى حوالي 13% بعدما فقد الاقتصاد المغربي ما يقارب 157 ألف منصب شغل، خاصة في العالم القروي المتضرر من الجفاف المتواصل. وقد تجاوز عدد العاطلين عن العمل 1.58 مليون شخص، بينما بلغت بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة حوالي 35.8%. وقد شكل ذلك أعلى مستوى للبطالة منذ سنوات عديدة.
خلال سنة 2024 استمر الوضع في التدهور النسبي، حيث ارتفع معدل البطالة الوطني إلى 13.3% ووصل عدد العاطلين إلى حوالي 1.638 مليون شخص. كما ارتفعت بطالة الشباب إلى 36.7%، أي أن أكثر من شاب من بين كل ثلاثة شباب في سوق العمل لا يجد وظيفة. أما بطالة حاملي الشهادات فقد بلغت 19.6%، وهو مؤشر خطير يعكس ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات الجامعية.
ورغم أن الاقتصاد المغربي أحدث حوالي 82 ألف منصب شغل جديد خلال سنة 2024، فإن هذا العدد ظل غير كاف مقارنة مع مئات الآلاف من الشباب الذين يدخلون سوق العمل سنويا. كما أن جزءا مهما من الوظائف الجديدة كان في قطاعات منخفضة القيمة المضافة أو بعقود مؤقتة لا توفر الاستقرار المهني والاجتماعي.
في سنة 2025 بدأت بعض المؤشرات تعرف تحسنا طفيفا، حيث تراجع معدل البطالة إلى حوالي 13.1% و13.3% حسب الفترات الإحصائية المختلفة، بفضل تحسن قطاعات الخدمات والبناء والصناعة. غير أن بطالة الشباب ظلت مرتفعة جدا ووصلت في بعض الفترات إلى 38.4%، بينما استمرت بطالة الخريجين قرب 19%. وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في خلق فرص الشغل، بل في جودة هذه الفرص ومدى توافقها مع مؤهلات الباحثين عن العمل.
أما سنة 2026 فتظل رهينة بنجاح السياسات الحكومية والاستثمارات الجديدة المرتبطة بكأس العالم 2030 والمناطق الصناعية الجديدة ومشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة. ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يتحسن التشغيل تدريجيا إذا استمر النمو الاقتصادي فوق 4% سنويا وتم ربط التعليم بشكل أفضل باحتياجات المقاولات. ومع ذلك فإن التحديات البنيوية ما زالت قائمة.
تكمن إحدى أكبر المشاكل في الفجوة بين التعليم وسوق الشغل. فالجامعات المغربية تخرج سنويا عشرات الآلاف من الطلبة في تخصصات تعاني أصلا من محدودية الطلب في السوق، بينما تعاني قطاعات أخرى من نقص حاد في اليد العاملة المؤهلة. فهناك طلب متزايد على المهندسين والتقنيين والمبرمجين وخبراء الذكاء الاصطناعي واللوجستيك والصيانة الصناعية والطاقات المتجددة، في حين تعرف بعض التخصصات النظرية فائضا كبيرا في عدد الخريجين.
عند مقارنة المغرب ببعض الدول الأخرى تظهر الفوارق بشكل واضح. ففي سنة 2024 سجل المغرب معدل بطالة بلغ 13.3% مقابل أقل من 4% في ألمانيا وحوالي 3% في اليابان وما بين 7 و8% في فرنسا. كما أن بطالة الشباب في المغرب تجاوزت 36% بينما لم تتجاوز 6% في ألمانيا و4% في اليابان. هذه الفجوة الكبيرة تعكس الاختلاف في جودة التعليم والتكوين المهني والاستثمار والإنتاجية الصناعية. كما تعكس قدرة تلك الدول على خلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية في التكنولوجيا والصناعة والخدمات المتقدمة.
وتبرز معضلة أخرى تتمثل في انتشار العقود المؤقتة. فعدد كبير من الشباب يشتغلون بعقود محددة المدة أو في وظائف غير مستقرة، مما يجعلهم عرضة لفقدان العمل في أي لحظة. كما يؤدي ذلك إلى تأخير الزواج وصعوبة الحصول على السكن وضعف الادخار وانخفاض القدرة الشرائية.
ويرتبط الفقر بشكل مباشر بالبطالة. فكلما ارتفعت البطالة ارتفعت الهشاشة الاجتماعية وازدادت الفوارق بين الفئات الاجتماعية. ورغم التقدم الذي حققه المغرب في تقليص نسبة الفقر خلال السنوات الأخيرة، فإن العديد من المناطق القروية والجبلية ما زالت تعاني من ضعف فرص الشغل والاستثمار.
إن نجاح القطاع الخاص المغربي في مجالات السيارات والطيران والفوسفاط والخدمات الرقمية يثبت أن المغرب قادر على تحقيق قفزات اقتصادية مهمة. فقد أصبح من أكبر مصدري السيارات في إفريقيا ومن أهم المنصات الصناعية في المنطقة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا النجاح إلى فرص عمل واسعة النطاق تستفيد منها فئات الشباب والخريجين.
ومن منظور باحث مغربي، فإن حل أزمة البطالة يتطلب إصلاحا عميقا لمنظومة التعليم وربطها مباشرة بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتطوير التكوين المهني، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الناشئة، وتبسيط مساطر خلق المشاريع، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز تعلم اللغات الأجنبية والمهارات الرقمية منذ المراحل الدراسية الأولى.
كما ينبغي إعادة توجيه جزء من التكوين الجامعي نحو التخصصات المستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات والطاقات المتجددة والصناعة الذكية والهيدروجين الأخضر والروبوتات. فهذه القطاعات ستكون المحرك الرئيسي لسوق الشغل خلال العقود المقبلة.
إن بطالة الشباب المغربي ليست مجرد رقم اقتصادي، بل هي قضية تنموية واجتماعية تمس مستقبل أمة بأكملها. فكل شاب عاطل يمثل طاقة غير مستغلة، وكل خريج لا يجد فرصة عمل مناسبة يمثل خسارة للاستثمار الذي أنفقته الدولة والأسر في التعليم والتكوين. لذلك فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب رؤية وطنية شاملة تضع الإنسان والكفاءة والإنتاجية في صلب النموذج التنموي المغربي الجديد.