بوركيزة يؤكد على ضرورة اعتماد علامة سياحية موحدة لمدينة فاس

محمد جمال نخيلة

في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع السياحي العالمي، أصبحت المدن التاريخية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإعادة صياغة صورتها السياحية وفق رؤية حديثة تجمع بين الهوية الحضارية ومتطلبات التسويق العصري. ومن هذا المنطلق، دعا الدكتور أسامة بوركيزة إلى ضرورة اعتماد علامة سياحية موحدة لمدينة فاس، قادرة على تعزيز جاذبية العاصمة العلمية للمملكة وتحويلها إلى وجهة سياحية عالمية متكاملة.
وجاء ذلك خلال مشاركته في الدورة الرابعة من منتدى منتدى مغرب التنمية، المنظم تحت شعار “السياحة كرافعة للتنمية الاقتصادية في أفق 2030”، حيث قدم مداخلة علمية حملت عنوان “التسويق الترابي وبناء العلامة السياحية لمدينة فاس”، سلط من خلالها الضوء على أهمية الانتقال من المقاربة التقليدية في الترويج السياحي إلى مقاربة جديدة تقوم على صناعة صورة ذهنية قوية وموحدة للمدينة.
وأكد بوركيزة أن مدينة فاس لا تعاني من أزمة هوية، بل على العكس، تمتلك رصيدًا حضاريًا وثقافيًا وروحيًا يجعلها واحدة من أغنى المدن العربية والإفريقية من حيث العمق التاريخي والتنوع الحضاري. فالمدينة العتيقة المصنفة تراثًا عالميًا، والزوايا الروحية، والمدارس العتيقة، والأسواق التقليدية، والصناعة الحرفية الأصيلة، كلها عناصر تمنح فاس خصوصية لا تتوفر في العديد من الوجهات السياحية المنافسة.
غير أن هذا الغنى، حسب المتدخل، لا ينعكس بالشكل المطلوب على مستوى الإشعاع الدولي والتسويق السياحي، بسبب غياب رؤية موحدة تؤطر صورة المدينة وتسوقها بطريقة احترافية تستجيب لتطلعات السائح المعاصر. وأوضح أن العالم اليوم لم يعد يكتفي ببيع الوجهات السياحية عبر الصور والمنشورات التقليدية، بل أصبح يعتمد على بناء “علامة ترابية” متكاملة تمنح للمدينة شخصية واضحة ورسالة ثقافية وإنسانية قادرة على التأثير والإقناع.


وفي هذا السياق، شدد بوركيزة على أن فاس مطالبة بوضع استراتيجية سياحية حديثة ترتكز على التسويق الرقمي وصناعة المحتوى التفاعلي وتطوير التجربة السياحية، مع التركيز على تقديم المدينة باعتبارها فضاءً للتجربة الثقافية والروحية والإنسانية، وليس فقط محطة عابرة ضمن الجولات السياحية الكلاسيكية.
كما أبرز أن العديد من المدن العالمية استطاعت تحقيق إشعاع دولي بفضل نجاحها في بناء علامة سياحية قوية انطلاقًا من خصوصياتها المحلية، مستشهدًا بتجارب مدن مثل بيلباو وغرناطة ودبي، والتي تمكنت من إعادة تقديم تراثها وهويتها بطرق مبتكرة جعلتها قبلة للسياح والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
ويرى متابعون للشأن السياحي أن مدينة فاس تمتلك بالفعل كل المقومات التي تؤهلها لاحتلال مكانة متقدمة ضمن خارطة السياحة الثقافية العالمية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في توحيد جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات منتخبة وسلطات محلية ومهنيين وجمعيات المجتمع المدني، من أجل بلورة تصور مشترك يعكس صورة المدينة ويقوي حضورها التنافسي.
كما أن الرهان لم يعد مرتبطًا فقط بعدد السياح الوافدين، بل بقدرة المدينة على رفع معدل إقامة الزوار وتحويل التجربة السياحية إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة. فالسائح الذي يقضي يومًا واحدًا بفاس يختلف عن السائح الذي يعيش تجربة متكاملة تمتد لأيام، يكتشف خلالها التراث المعماري والموسيقى الروحية والمطبخ التقليدي والصناعة الحرفية والأنشطة الثقافية.

وأشار بوركيزة إلى أن الاستثمار في “العلامة السياحية” لفاس يجب أن يوازيه اهتمام أكبر بالبنية التحتية السياحية وجودة الخدمات والتواصل الرقمي، إلى جانب تعزيز حضور المدينة في المنصات الدولية والمعارض السياحية الكبرى، بما يضمن خلق صورة حديثة ومتجددة عن العاصمة العلمية.


ويرى مهتمون أن الحديث عن علامة سياحية موحدة لفاس يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل التنمية السياحية بالمدينة، خاصة في ظل المنافسة القوية بين الوجهات السياحية العالمية، حيث لم يعد التراث وحده كافيًا لجذب الزوار، بل أصبح من الضروري تحويل هذا التراث إلى تجربة معاصرة تحافظ على الأصالة وتواكب في الآن نفسه تطلعات الأجيال الجديدة من السياح.
وفي ختام مداخلته، أكد الدكتور أسامة بوركيزة أن مشروع بناء العلامة السياحية لفاس ليس مجرد حملة ترويجية ظرفية، بل مشروع استراتيجي طويل المدى يروم تثمين الهوية الحضارية للمدينة وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والثقافية والسياحية، بما يليق بتاريخ فاس ومكانتها كواحدة من أعرق الحواضر المغربية والعربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *