شاشا بدر
لم تعد الشهادة أو الدبلوم بالنسبة إلى عدد من الشباب مجرد ثمرة سنوات من الدراسة والاجتهاد والتكوين، بل أصبح الحديث يتكرر في الأوساط المهنية والطلابية عن ظاهرة مقلقة تتمثل في حصول بعض الأشخاص على دبلومات من مؤسسات خاصة دون حضور فعلي للدروس أو اجتياز الامتحانات أو استيفاء شروط التكوين. وبينما يظل من غير المنصف تعميم هذه الممارسات على جميع مؤسسات التعليم الخاص، فإن وجود حالات يثار حولها هذا النوع من الاتهامات يطرح أسئلة حقيقية حول جودة التكوين، ومصداقية بعض الشهادات، وآليات المراقبة، وانعكاس ذلك على سوق الشغل بالمغرب.
في العديد من القطاعات المهنية، يلاحظ أرباب العمل وجود أشخاص يقدمون دبلومات في تخصصات مختلفة، مثل الصيانة الصناعية، وتسيير المقاولات، والحلاقة، والخياطة، والإعلاميات، وغيرها، ثم يتبين بعد فترة قصيرة أنهم يفتقرون إلى أبسط المعارف أو المهارات العملية المرتبطة بتلك التخصصات. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الطريقة التي حصلوا بها على تلك الشهادات، وهل فعلاً تابعوا تكويناً حقيقياً أم أن الأمر يتعلق بوثائق تم الحصول عليها دون استحقاق يقول لك أنا عندي دبلوم صيانة وهو اخد معلومات من شخص اخر ويقولها لمشغل كأنه يعرف هذا مجال
الأكثر إثارة للاستغراب أن العديد من أقسام الموارد البشرية داخل بعض الشركات والمؤسسات تكتفي بالاطلاع على نسخة من الدبلوم دون القيام بتحقيق فعلي حول مساره. فهل التحق صاحبه فعلاً بالمؤسسة؟ وهل واظب على الدراسة؟ وهل اجتاز الامتحانات؟ وهل حصل على المعدلات المطلوبة؟ كلها أسئلة غالباً لا تجد طريقها إلى البحث والتدقيق، خصوصاً عندما تكون الحاجة إلى التوظيف مستعجلة أو عندما تغيب منظومة رقمية موحدة للتحقق من الشهادات.
إن هذه الظاهرة، إن ثبتت في حالات معينة، لا تضر فقط بالشركات التي قد توظف أشخاصاً غير مؤهلين، بل تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص. فالطالب الذي قضى سنوات في الدراسة والتدريب الميداني يجد نفسه في منافسة مع شخص اشترى دبلوماً دون بذل أي مجهود، وهو ما يخلق شعوراً بالإحباط ويفقد الثقة في قيمة التكوين المهني والتعليم.
كما أن انعكاسات هذه الظاهرة تمتد إلى الاقتصاد الوطني، لأن المقاولات تحتاج إلى كفاءات حقيقية وليس إلى أوراق تحمل أسماء تخصصات. وعندما يتم تشغيل أشخاص يفتقرون إلى التأهيل، فإن ذلك قد يؤدي إلى أخطاء مهنية، وحوادث شغل، وضعف الإنتاجية، وتراجع جودة الخدمات، خاصة في المهن التقنية التي تتطلب تكويناً دقيقاً ومسؤولية كبيرة.
ومن أبرز الإشكالات التي يثيرها هذا الملف غياب سجل وطني رقمي موحد للشهادات والدبلومات، يضم مؤسسات التعليم العمومي والخاص والتكوين المهني، ويتيح للمؤسسات والمشغلين التحقق بسرعة من صحة أي شهادة، ومعرفة المؤسسة التي أصدرتها، وسنة التخرج، والتخصص، والوضعية القانونية للمؤسسة. وجود مثل هذا النظام من شأنه أن يحد من التزوير، ويعزز الثقة في المؤهلات العلمية، ويحمي سوق الشغل من الاختلالات.
كما يطالب العديد من المهتمين بتشديد المراقبة على بعض مؤسسات التعليم الخاص، وتكثيف عمليات التفتيش والافتحاص، والتأكد من احترامها لدفاتر التحملات، وعدد ساعات التكوين، ونسب الحضور، وإجراء الامتحانات وفق المعايير القانونية، مع فرض عقوبات صارمة على كل مؤسسة يثبت تورطها في منح أو بيع شهادات دون استحقاق، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمخالفة إدارية، بل بمساس مباشر بمستقبل الشباب وبسمعة منظومة التكوين الوطنية.
وفي المقابل، تقع على عاتق الشركات أيضاً مسؤولية كبيرة، إذ لم يعد كافياً الاعتماد على نسخة من الدبلوم ضمن ملف التوظيف، بل أصبح من الضروري اعتماد آليات تحقق أكثر صرامة، تشمل التواصل مع المؤسسة المانحة للشهادة، وإجراء اختبارات تقنية ومهنية، ومقابلات تقييم دقيقة، للتأكد من امتلاك المرشح للكفاءات التي يدعيها.
ويبقى من الضروري التأكيد على أن قطاع التعليم الخاص بالمغرب يضم مؤسسات جادة ومحترمة تلتزم بالمعايير القانونية وتكوّن آلاف الكفاءات التي تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن أي حديث عن تجاوزات يجب أن يقتصر على المؤسسات التي يثبت في حقها ذلك، دون تعميم قد يسيء إلى القطاع بأكمله.
إن حماية قيمة الشهادة المغربية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والقطاعات الوصية، والمؤسسات التعليمية، والشركات، وهيئات المراقبة، والمجتمع ككل. فحين تصبح الشهادة عنواناً للكفاءة الحقيقية، ينتصر مبدأ الاستحقاق، وتتعزز الثقة في سوق الشغل، ويحصل كل مجتهد على المكانة التي يستحقها، بعيداً عن أي ممارسات قد تحول العلم إلى سلعة، وتضعف الثقة في منظومة