بدر شاشا
في المغرب، كما في كثير من الدول، لم يعد مفهوم الفقر مرتبطاً فقط بقلة المال أو ضعف الدخل الشهري، بل أصبح أعمق من ذلك بكثير. الفقر اليوم يُقاس أيضاً بمدى قدرة الإنسان على الاستقرار، وعلى امتلاك الحد الأدنى من الأمان المادي والمعيشي. وفي قلب هذا الواقع، يظهر نوع صعب من المعاناة: إنسان لا يملك منزلاً، ولا قطعة أرض، ولا أي أصل يمكن أن يستند إليه في المستقبل.
هذا الإنسان هو الذي يعيش في الكراء طوال حياته، ينتقل من بيت إلى آخر حسب الظروف، وحسب قرارات المالك، وحسب تقلبات السوق. هو لا يعيش في مكان ثابت، بل في وضع مؤقت دائم، وكأن حياته كلها “مرحلة انتقالية” لا تنتهي.
الكراء لم يعد مجرد حل سكني مؤقت، بل أصبح عبئاً ثقيلاً يلتهم جزءاً كبيراً من الدخل الشهري. في كل شهر، هناك موعد ثابت لا يمكن الهروب منه: أداء واجب الكراء. هذا الموعد لا ينتظر الظروف، ولا يعترف بالأزمات، ولا يهتم إن كان الإنسان مريضاً أو متعطلاً أو مرهقاً. هو التزام صارم يفرض نفسه بقوة.
ومع ارتفاع أسعار الكراء بشكل مستمر في المدن المغربية، أصبح الحصول على سكن محترم أمراً صعباً، بل شبه مستحيل بالنسبة لفئات واسعة من المجتمع. حتى الأحياء الشعبية التي كانت تعتبر في السابق في متناول اليد، أصبحت اليوم تعرف زيادات متتالية لا تتماشى مع الأجور.
في المقابل، تبقى الأجور شبه ثابتة، أو ترتفع بشكل ضعيف جداً لا يوازي ارتفاع تكاليف الحياة. هذا الاختلال بين الدخل والمصروف يجعل الفجوة تكبر يوماً بعد يوم، ويجعل الادخار أو التفكير في التملك حلماً بعيد المنال.
الفقير في هذا السياق ليس فقط من لا يملك المال، بل من لا يملك الاستقرار. لأنه يعيش تحت ضغط دائم: ماذا لو ارتفع الكراء؟ ماذا لو طلب المالك إفراغ البيت؟ ماذا لو لم أستطع الدفع هذا الشهر؟ هذه الأسئلة البسيطة تتحول إلى قلق يومي يرافق الإنسان في كل تفاصيل حياته.
في نفس الوقت، يعيش هذا الإنسان ضغطاً اجتماعياً كبيراً. فالمجتمع غالباً ما يقيس النجاح بامتلاك منزل أو أرض أو سيارة. ومن لا يملك هذه الأشياء، يُنظر إليه أحياناً وكأنه لم يحقق شيئاً في حياته، رغم أنه قد يكون يعمل بجد يومياً.
هذه النظرة تزيد من الإحساس بالضغط النفسي، وتجعل الإنسان يعيش صراعاً داخلياً بين ما يريده وما يستطيع تحقيقه. فهو يريد الاستقرار، الزواج، تكوين أسرة، وبناء مستقبل واضح، لكن الواقع الاقتصادي يفرض عليه التأجيل المستمر.
ومع مرور السنوات، يتحول هذا التأجيل إلى نمط حياة. يصبح الإنسان معتاداً على فكرة “لاحقاً”، لكن لاحقاً لا يأتي أبداً. فيبقى عالقاً في نفس الدائرة: عمل، كراء، مصاريف، وقلق.
الخطير في هذا الوضع ليس فقط الجانب المادي، بل أيضاً الجانب النفسي. لأن العيش في حالة عدم استقرار دائمة يولد شعوراً بعدم الأمان، ويضعف الإحساس بالانتماء، ويجعل الإنسان يشعر أنه لا يملك مكاناً ثابتاً في هذه الحياة.
ورغم كل هذا، يبقى هناك صبر كبير لدى الكثير من الناس. صبر مبني على الأمل، وعلى محاولة الاستمرار رغم الظروف. لكن الصبر وحده لا يكفي إذا لم يقابله تغيير حقيقي في الواقع الاقتصادي والسكني.
إن أزمة السكن وارتفاع الكراء ليست مجرد مشكلة فردية، بل هي قضية اجتماعية تمسّ شريحة واسعة من المجتمع. والحل لا يمكن أن يكون فردياً فقط، بل يحتاج إلى سياسات إسكانية واضحة، وإلى توازن بين الدخل وتكلفة المعيشة، وإلى رؤية تجعل من الاستقرار السكني حقاً وليس امتيازاً.يبقى الفقير الحقيقي هو ذلك الإنسان الذي يعيش بلا منزل ولا أرض، بلا أصل ثابت، وبلا ضمان للمستقبل. يعيش يوماً بيوم، ويحاول فقط أن يحافظ على حقه في البقاء، في زمن أصبحت فيه الحياة نفسها تحتاج إلى حسابات دقيقة وصعبة في كل خطوة.