رغم البرامج الحكومية المتتالية والاستثمارات المخصصة لتطوير البنية التحتية الطرقية، لا تزال العديد من المناطق الجبلية بالمغرب تعيش على وقع العزلة، في مشهد يعكس استمرار الفوارق المجالية بين المدن والمناطق القروية، ويطرح تساؤلات حول سرعة تنزيل المشاريع التنموية على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، عاد ملف الطرق والمسالك الجبلية إلى الواجهة بعد خروج العشرات من سكان منطقة أنفكو والدواوير المجاورة في مسيرة احتجاجية، مطالبين بتعبيد الطرق وفك العزلة التي يقولون إنها أصبحت تعرقل حياتهم اليومية وتحرمهم من أبسط الخدمات الأساسية.
وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت تؤكد فيه وزارة التجهيز والماء مواصلة تنفيذ برامجها الخاصة بتأهيل الشبكة الطرقية، حيث أعلن الوزير نزار بركة، خلال جلسة برلمانية، أن الوزارة تعمل على تسريع إنجاز عدد من المشاريع المتعثرة، مع إعطاء الأولوية للطرق التي تربط بين الأقاليم والمناطق القروية. غير أن سكان أنفكو يعتبرون أن هذه الوعود لم تنعكس بعد على واقعهم الميداني.
ويرى متابعون أن إشكالية المناطق الجبلية لا ترتبط فقط بإنجاز الطرق، وإنما بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة المجالية، إذ إن الطريق في مثل هذه المناطق ليست مجرد وسيلة للتنقل، بل هي المدخل الأساسي إلى المدرسة، والمستشفى، والإدارة، والسوق، وفرص الاستثمار والتنمية.
وخلال الوقفة الاحتجاجية، عبر عدد من السكان عن استيائهم من استمرار ما وصفوه بتجاهل مطالبهم، مؤكدين أنهم استنفدوا مختلف القنوات الإدارية والمؤسساتية، دون أن يلمسوا تقدما ملموسا في إنجاز المشاريع الموعودة. كما لوح بعض المحتجين بإمكانية مغادرة المنطقة نهائيا إذا استمرت الظروف الحالية، معتبرين أن غياب البنية التحتية يدفع الشباب إلى الهجرة ويزيد من وتيرة نزوح السكان.
وتكشف هذه التحركات، بحسب متابعين، أن أزمة العزلة أصبحت تتجاوز بعدها الخدماتي، لتتحول إلى قضية تنموية شاملة تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة نقل السلع والمواد الأساسية، وهو ما يضاعف الأعباء اليومية للأسر القاطنة بالمناطق الجبلية.
كما يرى مهتمون بالشأن التنموي أن معالجة هذا الملف تتطلب تنسيقا أكبر بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والمجالس الجهوية، مع الحرص على تسريع وتيرة إنجاز المشاريع المبرمجة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في حالة تعثر الأوراش دون مبررات موضوعية.
وشملت المسيرة الاحتجاجية سكان عدد من الدواوير التابعة لجماعتي أكديم وأنمزي، الذين قطعوا مسافات طويلة عبر تضاريس وعرة لإيصال رسالتهم إلى السلطات الإقليمية، مؤكدين أن مطلبهم الأول يتمثل في توفير شبكة طرقية لائقة تضمن لهم الحق في التنقل والاستفادة من الخدمات العمومية.
ويبقى التحدي المطروح اليوم هو مدى قدرة مختلف المتدخلين على تحويل البرامج والإعلانات الرسمية إلى مشاريع منجزة على أرض الواقع، بما يضمن تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف مناطق المملكة، خاصة تلك التي ظلت لسنوات طويلة تعاني من الهشاشة والعزلة الجغرافية.