حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في آخر تطورات الطب السياسي بالمغرب، تمكنت الانتخابات الجزئية الأخيرة من اكتشاف سلالة جديدة من الأمراض المستعصية، أطلق عليها الباحثون اسم:“حمّى الكرسي الحادة المصحوبة بهذيان العودة”، وهي حالة تصيب بعض الزعماء الذين يرفضون تصديق أن الناخب المغربي قام منذ مدة بتسجيل الخروج من تطبيق “الشعبوية الإصدار القديم المرتكز على الاستعمال المفرط لمصطلات “التحكم”، “المؤامرة” وعبارات “الهوية”، و”سنعود أقوى”. والذي يشعر فقد المصاب به بالحنين المرضي إلى الميكروفونات والكاميرات ، وفقدان القدرة على قراءة نتائج الصناديق ، التي يشعر معها بالحساسية المفرطة تجاه كلمة “المحاسبة”، اعتقادا منه أنه آخر من تبقى للدفاع عن الأمة، بينما الأمة نفسها تبحث فقط عن مستشفى محترم، مدرسة جيدة، وقنينة غاز لا تحتاج قرضاً استهلاكياً ،وغيرها من الأعراض المرضية التي صاحبته مند “الربيع العربي/الإسلامي” إلى “خريف الثلاثة أصوات” الصفعة الانتخابية الجديد التي تلقاها الحزب في جماعة المكرن بالقنيطرة، وجعلته يدخل في حالة صدمة نفسية ، وكأن المصوتون اختاروا إرسال رسالة سياسية مختصرة مفادها:“شكراً على الخدمة… الباب يفوّت جمل.”
المثير للسخرية أن الحزب مازال يتحدث وكأنه يمتلك أغلبية كاسحة، بينما الواقع يقول إنه أصبح يشبه مطرباً معتزلاً يصرّ على إقامة حفل جماهيري في مسرح فارغ.
المواطن الذي كان يصفق للشعارات العاطفية د تغير واكتشف بعد سنوات أن الخطابة لا تخفض أسعار الزيت، وأن رفع الإصبع في المهرجانات لا يصلح الحفر في الطرقات.
المواطن اليوم يريد: شغلاً، علاجاً، تعليماً، وسكناً… يريد طبيباً… وهم يقدمون خطيب جمعة
لا يريد أن يعرف إن كان المرشح من نسل “حديدان لحرامي”، ولا إن كان جده الأكبر قد صافح أحد أجداد قريش في استراحة تاريخية مجهولة.
لقد تعب الناس من السياسي الذي يتحدث وكأنه قائد فتح الأندلس، بينما المواطن عاجز عن فتح حساب بنكي بدون طابور وإدارة ونسخ مصادق عليها.
الوطنية حسب التغطية الجغرافية
المفارقة التي تستحق جائزة “أفضل أداء درامي” هي أن الحزب يريد تصدر الانتخابات ، هو نفس الحزب الذي رغم ما يمتلكة من قدرات خارقة على إصدار البلاغات حول كل ما يحدث في طهران ورام الله، يفقد فجأة شبكة الاتصال عندما يتعلق الأمر بقضايا الوطن.
فتراه إذا سقط حجر في الشرق الأوسط يصدر: البيانات، والتنديدات، والمهرجانات، والخطب النارية، ويدرف الدموع الساخنة،
لكنه يستُهدف تراب الوطن الذي يريد حكمه؟ :فالصمت الذي يجعل الرخام يشعر بالثرثرة.
وكأن الوطنية عند البعض تعمل بنظام التجوال الدولي: تشتغل خارج الحدود ، وتنقطع داخل الوطن.
بنكيران و”العودة الأخيرة”
أما السيد بنكيران، فيبدو أنه دخل مرحلة سياسية تشبه أفلام الأكشن القديمة، حيث يرفض البطل المتقاعد الاعتراف بأن الجزء الخامس من الفيلم لا ضرورة له.
الرجل يتحدث أحياناً وكأنه يجلس في المعارضة، والحكومة، والثورة، والأمم المتحدة، في الوقت نفسه.
وفي كل خروج إعلامي جديد، يمنح المغاربة جرعة إضافية من الكوميديا السياسية السوداء: مرة يشعر بالخطر في المغرب،
ومرة يشعر بالمؤامرة، ومرة يشعر أن البلاد كلها ضده… باستثناء طبعاً أولئك الذين مازالوا يرون فيه “المنقذ المنتظر”، الذي يعب عليهم فهم رد صندوق الاقتراع عليهم بعبارة: “الرقم المطلوب غير متوفر حالياً”و”أن انتخابات 2026 لن تكون عملية إنعاش اصطناعي للماضي، بل تشريحاً سياسياً لما تبقى من أوهام الشعبوية.
ويشقق عليهم تفهم أن الناخب المغربي لم يعد يبحث عن: الزعيم الذي يصرخ أكثر، أو الذي يلوّح بالدين أكثر، أو الذي يحفظ أسماء الصحابة أكثر، بل يبحث عن المسؤول الذي ينجز أكثر ويتكلم أقل.
لقد انتهى زمن “أنا أو الطوفان”، لأن المواطن اكتشف أن الطوفان كان موجوداً بالفعل، لكنه كان يخرج من بعض المنصات الخطابية.