حزب “غزة أولاً”والمغرب إلى حين إشعار آخر!

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

يبدو أن بعض الأحزاب السياسية عندنا لم تعد تؤمن بالبرامج الانتخابية التقليدية المملة من قبيل الصحة والتعليم والشغل والسكن، ودخلت مرحلة جديدة أكثر “إبداعاً”، عنوانها: “صوّت لنا ، وسنحرر القدس من مقاطعة سيدي عثمان!”
ومع اقتراب الانتخابات، لم يعد التنافس حول من سيبني المدارس أو يصلح المستشفيات أو يحارب البطالة، بل أصبح حول: من الأكثر قدرة على الصراخ في الميكروفون؟ ومن يستطيع أن يزايد أكثر في قضية تبعد آلاف الكيلومترات بينما الحفرة أمام بيته تبتلع سيارة أجرة كل أسبوع؟
آخر الابتكارات السياسية في هذا المجال، هو الدفع بوجوه متخصصة في “المقاومة الانتخابية عن بُعد”، حيث يتحول المرشح من طالب أصوات إلى “قائد محور الممانعة فرع سلا تابريكت” ببرنامج انتخابي، يبدو ثوريا -هذه المرة- ، ويستحق أن يُدرَّس في كليات العلوم السياسية تحت عنوان: “كيف تدبر شؤون مدينة مغربية باستعمال خطاب إذاعة دمشق سنة 1978” .
والذي من أبرز وعوده المنتظرة:
توقيف التنمية في المغرب إلى حين إعادة إعمار غزة… لأن المواطن المغربي يمكنه دائماً أن يعيش على الهواء والمقاطعة.
إعلان الحداد الوطني كلما تعثّر طفل غزاوي في لعب الكرة… بينما سقوط المواطن المغربي في مستشفى عمومي مجرد “قضاء وقدر”.
تحويل مدينة الصويرة إلى “وقف تضامني”، وربما مستقبلاً تغيير اسمها إلى “غزة الأطلسي” إذا وافق الجمهور في استفتاء تنظمه لجنة دعم المشرق من حي الرحمة.
اعتقال كل من نطق بكلمة “تعاون دولي” أو “شراكة اقتصادية”، بتهمة التطبيع مع الواقع.
تعويض نشرات الأخبار بأغنية “الحلم العربي” 24 ساعة يومياً حتى يدخل المواطن في حالة بكاء قومي مستدام.
منع أي برنامج يتحدث عن التراث اليهودي المغربي، رغم أن هذا التراث عمره قرون في المغرب، بينما بعض المناضلين اكتشفوا فلسطين أول مرة عبر فيسبوك سنة 2020.
أما الإنجاز الأعظم، فهو اقتراح بناء تمثال ضخم “لمناضل الأمة” وهو يلكم الإمبريالية بيد، ويفتح بثاً مباشراً على يوتيوب باليد الأخرى.
المثير في الأمر أن بعض هؤلاء يتحدثون وكأن المغرب مجرد “جمعية دعم نفسي للقضايا الدولية”، وليس دولة لها مصالحها وتعقيداتها وتوازناتها الاستراتيجية ، فإذا سألتهم عن البطالة قالوا:
“لكن غزة…”
وإذا سألتهم عن التعليم قالوا: “لكن التطبيع…”
وإذا سألتهم عن الصحة قالوا: “هل تريد إسكات صوت المقاومة؟”
حتى أصبح المواطن البسيط يخاف أن يطلب إصلاح الطريق أمام منزله، فيُتهم فوراً بخدمة المشروع الصهيوني!
المفارقة العجيبة أن نفس الحزب الذي وقّع ذات يوم على الاتفاق الرسمي، عاد اليوم يتصرف كأنه اكتشف فجأة “الخيانة الكونية”، تماماً مثل شخص أكل نصف الدجاجة ثم بدأ يصرخ داخل المطعم: “قاطعوا الدجاج… إنه مؤامرة!”
السياسة عند البعض لم تعد فن تدبير الممكن، بل تحولت إلى مسابقة وطنية في توزيع الشعارات الثورية بالجملة، مع الاحتفاظ بحق التراجع عنها فور الوصول إلى الكرسي.
أما المواطن المغربي، فقد أصبح يتابع هذا السيرك السياسي وهو يتساءل في صمت: “واش غادي نصوت على نائب برلماني ، ولا على الناطق الرسمي باسم جامعة الدول العربية؟”
وربما في الحملة المقبلة سنسمع شعاراً أكثر وضوحاً: “صوتوا لنا وسننزل الرحمة على العالمين.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *