حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
كلما حل موسم “بيلماون” أو “بوجلود” عاد الجدل نفسه إلى الواجهة، وعادت معه أصوات تعتبر هذا الكرنفال الشعبي خطرا على الهوية الدينية أو تهديدا لوحدة المجتمع، في حين تتجاهل أخطارا أكثر واقعية وأشد تأثيرا على تماسك الوطن واستقراره. والمفارقة أن بعض من يرفعون لواء الدفاع عن الوحدة الوطنية لا يجدون حرجا في تمجيد رموز أو مشاريع سياسية خارجية تناقض المصالح الوطنية للمغرب، بينما يوجهون سهام نقدهم إلى موروث ثقافي مغربي ضارب في عمق التاريخ.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف يمكن لكرنفال شعبي قائم على الفرح والاحتفال والتعبير الفني أن يشكل تهديدا للوطن، بينما يتم التغاضي عن مظاهر التطرف والعنف وخطابات الكراهية التي تهدد السلم الاجتماعي فعلا؟ وكيف أصبح “بيلماون” موضوعا دائما للهجوم، رغم كونه جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، وخصوصا في المناطق الأمازيغية التي حافظت على هذا التقليد عبر قرون طويلة؟
لقد تحولت بعض الانتقادات الموجهة إلى “بيلماون” من نقاش ثقافي مشروع إلى موقف إيديولوجي يستهدف كل ما يرتبط بالهوية الأمازيغية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمناقشة مظاهر الاحتفال أو تطويرها أو تنظيمها، بل أصبحت في كثير من الأحيان رفضا رمزيا لموروث ثقافي كامل، وكأن مجرد التعبير عن الخصوصية الثقافية الأمازيغية يشكل استفزازا لبعض التيارات التي تنظر بعين الريبة إلى كل ما هو محلي وأصيل.
والحال أن ظاهرة التنكر بجلود الحيوانات ليست استثناء مغربيا، بل نجد أشكالا مشابهة لها في العديد من الثقافات الإنسانية. فقد عرفت أوروبا الشرقية كرنفالات تنكرية مشابهة، كما عرفت حضارات قديمة طقوسا احتفالية تستعمل الأقنعة والجلود لتجسيد رموز مرتبطة بالطبيعة والحياة والخصوبة وتجدد المواسم. وهذا ما يجعل “بيلماون” جزءا من تراث إنساني أوسع، لا مجرد ظاهرة معزولة أو شاذة كما يحاول البعض تصويرها.
ويظل “بيلماون أكادير” من أشهر الكرنفالات الشعبية في شمال إفريقيا، وقد استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يلفت اهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث اللامادي داخل المغرب وخارجه. فليس مجرد عرض تنكري أو احتفال عابر، بل مناسبة تستحضر الذاكرة الجماعية وتمنح المجتمع فرصة للتعبير عن ذاته من خلال الرمز والفن والسخرية الشعبية.
أما أكثر الانتقادات تكرارا فتتعلق بمسألة الضرب الخفيف الذي يمارسه بعض المتنكرين خلال الاحتفال. غير أن اختزال هذا السلوك في صورة من الهمجية أو العدوانية يعكس جهلا بالسياقات الرمزية التي نشأت فيها هذه العادة. فكثير من الطقوس الشعبية عبر العالم تحمل أفعالا تبدو غريبة أو غير مفهومة لمن ينظر إليها خارج سياقها الثقافي والتاريخي، بينما تكون في أصلها محملة بدلالات رمزية واجتماعية عميقة.
وتشير بعض الدراسات الأنثروبولوجية إلى أن العديد من المجتمعات البشرية طورت طقوسا للتعبير عن علاقتها بالحيوان والطبيعة والذبيحة، باعتبارها جزءا من دورة الحياة والاستمرار. ومن هذا المنظور يمكن فهم بعض الممارسات المرتبطة بـ”بيلماون” باعتبارها بقايا رمزية لتصورات قديمة حول العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهي تصورات فقدت مع مرور الزمن جزءا من معانيها الأصلية، لكنها استمرت بوصفها موروثا ثقافيا شعبيا.
إن التعامل مع التراث لا ينبغي أن يكون بمنطق الإدانة المسبقة أو التكفير الثقافي، بل بمنطق الفهم والدراسة والتحليل. فكل عادة أو تقليد متجذر في تاريخ الشعوب يحمل وراءه سياقات ومعاني ورموزا قد تضيع أو تتحول مع الزمن، لكنها لا تفقد قيمتها بوصفها جزءا من الذاكرة الجماعية.
لذلك فإن النقاش الحقيقي حول “بيلماون” لا يجب أن ينحصر في إصدار الأحكام الجاهزة، بل في فهم ما يمثله هذا الكرنفال بالنسبة لآلاف المغاربة الذين يرونه تعبيرا عن هويتهم المحلية، واحتفاء بتراث الأجداد، وفضاء للفرح الجماعي والتواصل الاجتماعي. فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخاف من تنوعها الثقافي، بل تعتبره مصدر قوة وغنى وإبداع.
إن الدفاع عن “بيلماون” ليس دفاعا عن طقس احتفالي فحسب، بل دفاع عن حق الثقافة المغربية، بكل روافدها، في أن تعبر عن نفسها بحرية داخل الفضاء الوطني المشترك، بعيدا عن الإقصاء الإيديولوجي والأحكام المسبقة.
حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.