.حميد طولست. كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن المهندس عبد اللطيف سودو، عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية ورئيس جمعية مهندسي العدالة والتنمية، قد قرر أن يخوض معركة “تبرئة” حزبه من توقيع اتفاقية التطبيع، لكن النتيجة جاءت أقرب إلى ذلك المثل المغربي العميق : “جا بلارج يبوس ولدو عماه”. فالرجل، وهو يمارس حقه الكامل في الدفاع عن حزبه ورفاقه، بدا كمن يحاول إخراج العدالة والتنمية من حفرة سياسية، فإذا به يدفعه – دون قصد ربما – إلى حفرة أعمق، لأن بعض أنواع الدفاع حين تفتقد للحكمة والتقدير، تتحول من عملية إنقاذ إلى عملية فضح غير مقصود. سودو يقول إن الحزب “لا علاقة له بالتوقيع”، وإنه “لم يكن على علم”، وإن سعد الدين العثماني لم يوقع بصفته أمينًا عامًا للحزب، بل كرئيس حكومة، نيابة عن الدولة، وأن “الدولة لها معطياتها الخاصة”. جميل جدًا ، لكن السؤال الذي يهرب منه هذا النوع من التبرير هو: إذا كان الحزب ضد التطبيع فعلًا، فكيف وجد أمينه العام نفسه يوقع الاتفاق باسم الدولة دون أن يهتز ضميره السياسي أو ينسحب أو يعترض أو حتى يترك للتاريخ موقفًا يليق بحجم الشعارات التي ظل الحزب يرفعها لعقود؟ الغريب في خرجة السيد سودو أنها حاولت الفصل بين سعد الدين العثماني “الحزبي” وسعد الدين العثماني “رئيس الحكومة”، وكأن الرجل كان يعاني انقسامًا وجوديًا لحظة التوقيع: نصفه يرفض التطبيع، ونصفه الآخر يوقع عليه بابتسامة دبلوماسية كاملة الأوصاف! والأغرب أن هذا المنطق يُحوّل الحزب، دون أن يشعر أصحابه، إلى مجرد جمعية وعظية لا علاقة لها بالسلطة ولا بالقرار السياسي، رغم أنه قاد الحكومة لسنوات، وكان يقدم نفسه باعتباره صاحب “المشروع الإصلاحي” و”المرجعية الأخلاقية”. إن أخطر ما في تدوينة سودو أنها لم تدافع عن الحزب بقدر ما كشفت أزمة عميقة في فهم معنى المسؤولية السياسية. فالسياسة لا تعترف بمنطق: “كنت ضد القرار لكنني وقعته”، لأن التاريخ لا يوثق النوايا، بل يوثق الأفعال والتوقيعات والصور الرسمية. ولذلك بدا دفاع المهندس سودو شبيهًا تمامًا بذلك البلارج المسكين الذي أراد تقبيل ابنه، فأعماه بمنقاره الطويل ، نية طيبة ظاهريًا ، لكن نتيجتها كارثية. فبدل أن يخفف عن الحزب عبء “وصمة التطبيع”، أعاد تذكير الناس بكل تفاصيلها: من وقّع؟ ومن كان يرأس الحكومة؟ ومن كان يقود الحزب؟ ومن كان يصف التطبيع بالخيانة قبل أن يتحول إلى “معطيات الدولة الخاصة”؟ ثم إن محاولة الاختباء خلف عبارة “الدولة لها معطياتها” تبدو أشبه باعتراف سياسي بأن الحزب كان مجرد منفذ لا يملك من أمره شيئًا، وهو اعتراف أخطر بكثير من التوقيع نفسه، لأنه ينسف كل الخطاب الذي بنى عليه الحزب شرعيته الأخلاقية والسياسية لسنوات. إن المثل المغربي لم يكن يومًا احتفاءً بسوء النية، بل تحذيرًا من قلة التبصر. فالنية الحسنة وحدها لا تكفي، والحماس الأعمى قد يتحول إلى أداة هدم بدل أن يكون وسيلة دفاع. وهكذا، وبين محاولة التبرئة والاستماتة في التفسير، تحولت تدوينة عبد اللطيف سودو إلى درس سياسي مجاني في كيفية تحويل الدفاع إلى إدانة، والتوضيح إلى فضيحة، والتبرير إلى اعتراف غير مباشر. وباختصار: لم يكن حزب العدالة والتنمية بحاجة إلى خصوم يذكّرون المغاربة بتوقيع التطبيع ، كان يحتاج فقط إلى تدوينة من عبد اللطيف سودو